لأميركا لحظتان مفارقتان تستعيد فيهما مقدّسها السياسي: لحظة داخلية، وتتصل بتداول السلطة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.. ولحظة خارجية تتعلق بتهديد أمنها القومي وحروبها. مضى عقد تكثّف خلاله ما تنطوي عليه اللحظتان المفارقتان من استحضار لثقافتها الأولى، وإلى الآن لا يزال شغف الأميركيين بتظهير مقدسهم السياسي على حيويته اللافتة. كيف لنا أن نقرأ ظهورات المقدس السياسي في الثقافة الأميركية، في وقت يبدو العالم فيه عند الحد الأقصى من التحيز لهوياته القومية والدينية؟
كان لصدمة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، ما يشبه «الأثر الجيولوجي» في النفس السياسية الأميركية. فلسوف نرى إثرئذٍ ما هو أقرب إلى إعادة تشكيل الذات الأميركية، على نحو ما تشكّلت عليه في نشأتها الأولى. وسيمتلئ التفكير الاستراتيجي بطائفة من قواعد النظر والسلوك، بدت للوهلة الأولى كما لو كانت انقلاباً على ميراث الديمقراطية الأميركية بأجمعه:
أولاً: النزعة القومية الحادة التي احتلت مرتبة وازنة في مكوّنات التفكير الأميركي في الأعوام الأخيرة، حتى إنها باتت إحدى خاصّيات المفارقة الأيديولوجية للمحافظين الجدد.
ثانياً: إن ما طَفا على سطح الأطروحة الأميركية وهي تلج فضاءات القرن الحادي والعشرين، جاء تكثيفاً لعقيدة أميركية طاعنة في الزمن. والعقيدة المقصودة ـ على ما يبيّن نُظّار الفلسفة السياسية ـ هي رزمة العوامل المكوّنة لإيمان الأميركي برسالته، التي ينبغي أن يُكتب لها الحضور المستدام في الزمان والمكان العالميين.
ثالثاً: كل شيء يدخل نطاق الرسالية الأميركية، راح يتحول إلى ركن من أركان العقيدة. فالدين والقومية والوطنية، والثقافة، والفلسفة، ناهيك عن الاستراتيجيات السياسية والعسكرية، هي على الجملة تؤلِّف ما يُسمَى الأطروحة الأميركية. ولأن المآل الأخير لهذه الأطروحة هو ما تصح تسميته بالفكرة الأميركية، فإن كل ما يتعلق بأصول هذه الفكرة وفروعها، هو بعين ذاته ترجمة للأطروحة بكاملها.
وعلى ما يبيّن بعض علماء الاجتماع، فإن الأطروحة الأميركية هي نفسها العقيدة الأميركية، وهي نفسها كذلك الأيديولوجية الأميركية. ولقد كان الكاتب الأميركي رالف والدو إيمرسون يعرّف الالتزام بالمبادئ الأميركية للحكم، على أنه شكل من أشكال اعتناق الدين. وهذه الأطروحة أو العقيدة أو الفكرة، بما يرافقها من أساطير قومية، تشكِّل الأساس الذي بُنيت عليه القومية الأميركية.
وتجعل من الوجه العلني للولايات المتحدة نموذجاً للقومية المدنية بامتياز. ولذا فإن كل من يتقبَّل «الأطروحة» أو «الفكرة» الأميركية يمكنه أن يصبح أميركياً، بصرف النظر عن عرقه ولغته وثقافته وأصله القومي.
رابعاً: ربما كان العنصر الأهم والمميز في القومية الأميركية، أنها قومية منفتحة، احتوائية، متسعة، لكن بقيادة ومآل عنصرييّن.. ذلك ما يطابق التوصيفات التي ذهبت إلى اعتبار مبادئ الأطروحة الأميركية، عقلانية وكونية ولاهوتية في الآن نفسه..
وأن الأميركيين ينظرون إليها، ويتعاملون معها، بما هي حقيقة قابلة للتطبيق على الشعوب والمجتمعات في أي مكان وزمان. وهذا ما أشار إليه الكسيس دو توكفيل بقوله: إن الأميركيين مجمعون على المبادئ العامة التي يجب أن تحكم المجتمع البشري كله. والذين جاؤوا من بعده من الأيديولوجيين الأميركيين، رأوا أن «قدر أميركا باعتبارها أمة، هو ألا تكون لديها أيديولوجيات، بل أن تكون هي نفسها أيديولوجيا».
معنى هذا أن أميركا في الوقت الذي يزعم منظّروها أنها حاملة رسالة حضارية للكون، هي كذلك جغرافيا ذات بُعْد ميتافيزيقي. وعليه، فإن الولاء للمؤسسين الأوائل، باعتبارهم الصنف البشري المؤهل لحمل هذه الرسالة. وهؤلاء، حسب التنظير العقائدي الأميركي، هم الأنكلوساكسون البيض البروتستانت (WASP).
لقد كان ثمة حرص لا يقربه الوهن من جانب «حكماء أميركا السياسيين» على تأكيد العوامل الجوهرية للعقيدة الأميركية، ولو على سبيل التبشير. وهي: الإيمان بالحرية، والدستور، والقانون، والديمقراطية، والفردانية، والمساواة الثقافية والسياسية. وهذه الحزمة من الفضائل بقيت في نطاقها النظري على ما هي عليه، سحابة التاريخ المديد للأطروحة الأميركية. ولو كان لنا أن نقرأ المزيد مما كُتب في الأطروحة الأميركية، لا سيما في وجهها القومي، لوجدنا الكثير من علامات الذهول والتساؤل.
يروي عالِم الاجتماع الكندي من أصل سلافي، ساكفان بيركوفيتش، أنه اكتشف في أميركا مئات الطوائف والفِرق، ولكل منها شكله المختلف عن البقية، لكنها كلها تؤدي المهمة نفسها. وهذا الإجماع الأيديولوجي ـ كما يقول ـ يجري توظيفه بكل الإغراء الأخلاقي والعاطفي، كأنه رمْز ديني. «ولقد منحه هذا الاكتشاف ـ كما يعترف هو نفسه ـ بعض إحساس انثروبولوجي بالدهشة، لوجود مثل هذه الرمزية القبلية»..
وهذا هو الشيء الذي يحمل كثيرين منّا على ترجيح أن تكون الولايات المتحدة في بداية القرن الواحد والعشرين، أكثر مجتمع أيديولوجي على وجه الأرض. مرجع هذا القول أن أميركا راسخة في إيمانها بنفسها. وحين يمجّد الأميركي مبادئ دولته ومؤسساتها وقوانينها، فإنه لا يفعل ذلك من باب الدفاع الوطني، بل ليقين لديه أن هذه المبادئ يمكن، بل وينبغي، تطبيقها على المجتمعات البشرية كلها.
خامساً: قد يكون من أهم مصادر قوة العقيدة لما يسمى بالقومية المدنية في المجتمع الأميركي، أنها تقوم على الجمع بين التراث الهائل للتنوير الأوروبي، والتيارات الدينية البروتستانتية، والتقاليد الأميركية القديمة(...). وحين بدأ «الخط الرئيس» للبروتستانتية في الولايات المتحدة يتجه أكثر فأكثر نحو الليبرالية والتسامح في القرن العشرين، راح يتشكل في الوقت نفسه تيار من البروتستانتية الغامضة، اصطُلح على تسميته بالدين المدني.
وهو ما يمكن النظر إليه على أنه منطقة التوسط بين التنويرية العلمانية والتديّن البروتستانتي. هذا الدين المدني الذي هو حصيلة توافق وطني، مدين لإيمان مؤسسي الجمهورية بالله. أولئك الذين أكدوا الأهمية المركزية للدين من أجل ديمومة الجمهورية، من دون تخصيص ماهية هذا الدين. لكن من المؤكد أنهم قصدوا نوعاً من أنواع البروتستانية، وهو ما سيترجمه الرئيس آيزنهاور في قوله «ليس لحكومتنا أي معنى، ما لم تتأسس على الشعور بالإيمان الديني العميق. ولا يهمني ما يكون هذا الدين».
لقد ظلت أهمية الدين في أميركا المعاصرة، حالة نمطية واضحة منذ بدايات القرن التاسع عشر، وهو ما لاحظه اليكسيس دو توكفيل حوالي 1930، يوم كان الإيمان الديني بين الشعوب الأوروبية مهتزاً، إثر عقود عدة من التنوير والثورة الفرنسية، بينما بقي الإيمان الديني الأميركي متوقداً وشاملاً.
سادساً: في ما يتصل بالإشكال البنائي للأطروحة الأميركية، والمتمثل بالتلاؤم بين مركزية الدين ومركزية العلمانية، فيعود إلى الروح العلمية للمؤسسين الأوائل؛ أولئك الذين خاضوا اختبارات مركَّبة ومعقدة، أفضت إلى ظهور ما سبق وأشرنا إليه حول «الدين المدني».. إن معنى هذه الصيغة جاء كثمرة لخليط عجيب من لاهوت مسيحي بروتستانتي ذي طابع صوفي.
ومن علمنة آتية من خلاصات الحداثة الأوروبية التنويرية. ولقد تأكد هذا المعنى من خلال إجراءات مصالحة بين الدين والعلمانية، أدت إلى مزجهما في وعاء ثقافي ومعرفي واحد. فقد أتاح التحرر من المسيحية التقليدية الكاثوليكية، وكذلك التحرر من العلمانية الحادة ذات النموذج الأوروبي، الفرنسي خاصة، إلى إنتاج الدين المدني الأميركي، من دون أن يسبغ على مؤسسات الدولة والمجتمع الصفة الثيوقراطية.
نميل إلى الظن أن معرفة أميركا وهي تمضي في تعميم نموذجها الخاص على عالم شديدة التنوّع والتفاوت، يستلزم الوقوف على المقدّس الذي هو عين هويتها السياسية ومهمتها الكونية.