عاد الزعيم الروسي فلاديمير بوتين إلى سدة الرئاسة لست سنوات أخرى على الأقل، سنتمكن خلالها من مشاهدة عينيه تعودان إلى موضعهما الأصلي في محجريهما. وكما هو مؤكد أن الكلب الشارد يأتي محملاً بالبراغيث، فإن الانتخابات الروسية الأخيرة كانت حافلة بالتجاوزات، المغطاة بستار «الديمقراطية»، كما تريدها السلطات الروسية.

وعلى سبيل المثال، فقد كانت هناك 200 ألف كاميرا لمراقبة مراكز الاقتراع، ولكن كل منها كانت تبث مشاهدها بشكل مباشر إلى الكرملين. وكان هناك أيضا مرشحون عدا بوتين. حاولوا أن تسموا واحداً منهم.

وفي حال لم تستطيعوا فعل ذلك، ألقوا اللوم على السلطات الروسية، التي رفضت السماح لأي منافس حقيقي بالاقتراب من مراكز الاقتراع، وهو ما يطالب الرئيس الروسي السابق ديميتري ميدفيديف (الذي سيعود قريباً إلى منصب رئيس الوزراء) وزارة العدل بفتح تحقيق بشأنه.

وتذكرني هذه العملية الانتخابية الروسية بالمتعة التي كنت أحظى بها في صغري، عندما كنت أضع دمية في كل يد، وأخرج بصوت مختلف لكل منهما فيما كانتا تتجادلان مع بعضهما البعض، قبل أن أمل من هذه التمثيلية، وأرمي بالدميتين المفضلتين لدي إلى مؤخرة شاحنة النفايات.

والقصة المدهشة في هذه الانتخابات يجري تجاهلها إلى حد كبير. فأنا لم أتأثر بفوز بوتين بفترة رئاسية ثالثة بقدر ما تأثرت بحقيقة أن غينادي زيوغانوف، الذي يصف نفسه بأنه «شيوعي» إلى درجة أنه يعتقد أن بوتين ليس كذلك، حصل على ما يصل إلى 17% من الأصوات.

صحيح أنه سئم من بقاء السلطة في أيدي قلة مختارة من الروس، ويبدو وكأنه من عامة الشعب الروسي، إلا أنه كان أبعد ما يكون عن كونه مرشح حزب «لا للرجال»، بعد أن دعا إلى «إعادة ستالينية» روسيا. إن توزيع الثروات في غياب الإنتاجية يؤدي بلا شك إلى الانهيار الاقتصادي.

ويتولى الأرستقراطيون الروس مهمة استثمار أموال الكرملين في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي ينطوي على بعض المخاطرة. وتعد فكرة توزيع تلك الأموال في غياب أي مسؤولية أمراً خطيراً. ولن يكون من العدل من الناحية الأخلاقية أن يعمل الروس في القطاعات التجارية والصناعية على دعم أولئك الذين لا يفعلون شيئاً. وإذا أريد أن يكون هناك توزيع أكثر إنصافاً للناتج المحلي الإجمالي الروسي، فلا بد أن يكون مستحقاً.

وقد يكون هذا ما كان بوتين يحاول الوصول إليه عندما كشف أخيراً عن استثمارات ضخمة في قطاع الصناعات العسكرية الروسية، بما في ذلك رفع رواتب العسكريين إلى ثلاثة أضعافها. فهم على الأقل سيبذلون جهداً من أجل ذلك، وسينمون مواهبهم ليستخدموها في المستقبل. وبذلك، سيتمتعون بمستوى معيشة أفضل، وهو ما سيضع حداً للشتاء الديموغرافي ولمشكلة العمرـ الهجرة، التي يشعر العديد من الخبراء أنها قدر روسيا المحتوم.

وبالتأكيد، فإن النظام الروسي لا يزال شيوعياً، ولكن هذه الاستراتيجية تقر، في جوهرها، مبدأ رأسمالياً بحق، وهو مبدأ الربط بين العمل والكسب، والربط بين فرص المرء المستقبلية وجهده. وقد تمكن العديد من الغربيين من استخدام القوات العسكرية وتدريبها القائم على المهارات كنقطة انطلاق إلى حياة أفضل.

ويتمثل التحدي المحلي الأكبر في أن بوتين سيضطر إلى مواجهة حقيقة أن روسيا الطبقة الوسطى لا تزال تصوت إلى حد كبير بقدميها. إذ ان أفراد الطبقة الوسطى لا يبقون في انتظار الممارسة الانتخابية المقبلة، فالكثير منهم ينطلقون ويصنعون حياة لأنفسهم في مكان آخر. وأدى ازدهار قطاع الطاقة الروسي إلى إعادة عدد كبير منهم، فضلاً عن مواهب أجنبية جديدة، غير أن روسيا بحاجة إلى اقتصاد محلي حقيقي خاص بها يحافظ على تلك المواهب.

وعلاوة على ذلك، فإن المستثمرين الأجانب لا يزالون يخافون من عدم القدرة على التنبؤ بمستقبل ممارسة الأعمال التجارية في روسيا، وهو ما سيضعها في موقف ضعف على الدوام، حتى بالمقارنة مع زميلاتها في مجموعة «بريكس» (البرازيل والهند والصين وجنوب افريقيا). فكل الاجتهاد الموجود في العالم لا يستطيع أن يلغي تحركاً مستهدفاً مفاجئاً من جانب الكرملين ضد أي شركة أو قطاع. وتميل القيادة الروسية إلى تنفير أصدقائها، حتى المقربين منهم، من خلال قطع تدفق الغاز استجابة لتحول الرياح في المناخ السياسي.

وهذا الفصام الذي لا يمكن التنبؤ به هو ما يضر بروسيا وبقدرتها على المنافسة الدولية. وربما بمجرد أن تدرك القيادة الروسية هذه الحقيقة، فإنها ستقلق بدرجة أقل بشأن صداقاتها الفارغة.

ملاحظة: أحببت وجهك الجديد يا فلاد بعد عملية التجميل، فهو يجعلني أرغب بالقفز على منصة ترامبولين صغيرة في الفناء الخلفي لمنزلي.