عقدت المعارضة السورية مؤتمراً في اسطنبول يومي 26و 27 مارس الجاري، وأعلنت أن هدف المؤتمر هو توحيد المعارضة السورية حول ميثاق موحد ومشترك، رداً على الدول التي تتقاعس عن مساعدة سوريا بحجة عدم وحدة المعارضة، إلا أن هذا المؤتمر اقتصر على فصائل المعارضة السورية الخارجية فقط وأهمها المجلس الوطني السوري، ولم يشارك فيه أي فصيل من المعارضة الداخلية التي أحجمت عن المشاركة وأصدرت بيانات شرحت فيها أسباب عدم مشاركتها.
يدل إحجام المعارضة الداخلية عن المشاركة، أن هذا المؤتمر بدلاً من أن يوحد المعارضة السورية قسمها نهائياً، ذلك لأن المعارضة الداخلية كانت تقترح باستمرار وتواتر عقد الحوار بين أطراف المعارضة كافة وخاصة مع المعارضة الخارجية بهدف التنسيق وتوحيد الهدف والبرامج والأساليب.
ويبدو أن محاولات الوحدة هذه باءت بالفشل، ولم يعد ممكناً الآن الحديث عن وحدة المعارضة، حيث حسمت المعارضة الخارجية أمرها واختارت طريقها، وأقصت فصائل المعارضة الأخرى، واحتكرت الحديث باسم الشعب السوري.
أصدرت المعارضة السورية الداخلية بيانات تعرض فيها أسباب غيابها، وقالت إن الدعوة التي وجهت إليها لم توجه باسم فصائلها، وإنما كانت مجرد رسالة غير موجهة لأحد موقعة من وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري ونائب وزير الخارجية التركي.
ولم تعنون هذه الرسالة باسم أي فصيل معارض داخلي، وبالتالي اعتبرت فصائل المعارضة السورية أن هذا لا يعني دعوة رسمية لها، وإنما هي دعوة لرفع العتب، ثم أن فصائل المعارضة الداخلية لم تجد مبرراً لأن تعقد المعارضة السورية مؤتمراً تحت رعاية دولتين عربية وأجنبية، مع أن الجامعة العربية قررت في نوفمبر الماضي دعوة فصائل المعارضة للبحث في إمكانية الوحدة بينها، ويبدو أن بعض الجهات عطلت دعوة الجامعة وهمشتها.
وبالتالي لم ترغب فصائل المعارضة السورية عقد مؤتمر تحت رعاية غير رعاية الجامعة، هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون فإن فصائل المعارضة السورية الداخلية لاحظت أن هناك عبارة في الدعوة تقول إن هدف المؤتمر هو الوصول إلى رؤية موحدة متوافقة مع ما ذهب إليه المجلس الوطني السوري. أي أن المؤتمر سيناقش برنامجاً جديداً للمعارضة في اطار توجهات المجلس الوطني السوري، وهو التيار الأكبر للمعارضة الخارجية.
ومن المعلوم أن المجلس الوطني يرفض أي وحدة مع فصائل المعارضة السورية الأخرى، إلا إذا التحقت به، دون أن يكون ذلك موقف الند للند، كما أن جوهر الإطار العام لبرنامجه هو طلب التدخل العسكري الأجنبي وإن تعذر ذلك طلب أي تدخل أجنبي، كما أن المجلس الوطني أصدر بياناً تحالفياً مع الجيش السوري الحر دعم فيه نداءات تسليحه وتمويله ودعم نشاطه العسكري ضد الجيش النظامي، حتى لو كان هجوماً على هذا الجيش.
إضافة إلى أن اتفاقه مع الجيش السوري الحر يقضي بان يحكمان سورية معاً طوال الفترة الانتقالية بعد سقوط النظام، دون الاهتمام بفصائل المعارضة السورية الأخرى. بينما ترى المعارضة الداخلية ممثلة (بهيئة التنسيق) وهي أكبرها والمنبر الديمقراطي وتيار بناء الدولة إضافة إلى فصائل معارضة صغيرة عديدة، أن التدخل العسكري الأجنبي سوف يدمر الدولة وليس النظام السياسي فقط.
وأن الجيش الحر يجب أن يتفرغ لحماية المتظاهرين المدنيين، وأن فتح الباب له للحرب مع الجيش النظامي يعسكر الثورة السورية، ويشعل صراعاً عسكرياً داخلياً سيطول مدة طويلة وقد يتحول إلى حرب أهلية تعيد سوريا عقوداً إلى الوراء.
كما ترى فصائل المعارضة الداخلية هذه أن إسقاط النظام، وهو الهدف الرئيس لها ولغيرها من فصائل المعارضة، يتم بوسائل أخرى وبرامج أخرى، أهمها توحيد فصائل المعارضة الداخلية والخارجية، وعقد الصلة والتلاحم مع الحراك الشعبي، ووضع برنامج موحد مفصل لمواجهة النظام واختيار قيادة موحدة تشرف على تنفيذه، والبدء بنشاطات مناوئة للنظام متناغمة ومنسجمة.
وعلى رأسها الإضرابات الشاملة والاعتصام في الساحات والشوارع وصولاً إلى العصيان المدني، مما سيؤدي حتماً مع الضغوط الدولية والعقوبات الدولية برأي المعارضة الداخلية، إلى تفجر التباينات داخل النظام وتصدعه ثم سقوطه.
تؤكد المعارضة الداخلية بجميع فصائلها، أن الدعوة لمؤتمر اسطنبول ليست دعوة بريئة، فبعد أن فشل المجلس في أن يلحق بقية فصائل المعارضة به خلال الأشهر السابقة، وبعد أن رفض التعامل معها نداً لند، تراجعت فعاليته والثقة به في الداخل وبين معظم الدول الخارجية، مما أدى إلى انشقاقات في داخله وتفاقم التناقضات بين فصائله، وزيادة الاتهامات والخلافات بين أعضائه.
بحيث بدا في الأسابيع الأخيرة ضعيفاً ومتهالكاً، حسب رأي المعارضة الداخلية، ولذلك دعا لمثل هذا المؤتمر لتجديد هيمنته وقوته، واستجابة لرغبة الدول التي تدعمه وتتخذ منه ومن قراراته المحتملة وسيلة للتدخل في الشأن السوري.
وهكذا، إن صحت وجهة نظر المعارضة السورية الداخلية، فإن مؤتمر اسطنبول سيكرس الفرقة بين تكتلات المعارضة الداخلية والخارجية، وسيكون بداية تهميش لمعظم فصائل المعارضة، خاصة وأن فصائل المعارضة الداخلية تداعت قبل أسبوع وبحثت إمكانية عقد مؤتمر لها يجمع كافة فصائلها ويحدد برنامجاً واضحاً مشتركاً وهيئة قيادية تشرف عليه، وإن تعذر قيام وحدة تنظيمية بينها فعلى الأقل ستكون هناك وحدة برامجية وأعمال تنسيقية، وقررت هذه الفصائل عقد المؤتمر خلال الأسبوعين أو الثلاثة القادمة، وتشكيل لجنة تحضيرية تهيئ لانعقاده ووضع مشروع جدول أعماله وأهدافه.