استطراداً لما كنتُ قد بدأتُه في مقالي السابق بعنوان مقام الحاكم والعالم فأزيدُ بأننا لم نعهدْ في سيْر التاريخ على مرّ العصور أن يخرج عالِم مُعتبَر من العلماء على الحُكّام، بل كان دور العالم في معيّة ومصاحبة الحاكم هو النُّصح والتوجيه والإرشاد بما فيه صالح الإسلام والمسلمين عموماً، وكان رأيه غير مبني على صالح شخصي.

ولهذا لم يغِبِ العقل والحكمة يوماً من نصائحهم، وأهمّ حِكم النُّصح وأسباب نفوذه إلى القلب هو الإسرار بها للمنصوح، وهذا ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المتعلقة في هذا الباب، فلا تكون النصيحة جهاراً وعلانيةً عبر الفيس بوك أو التويتر أو وسائل الإعلام المختلفة لأنّها تخرج عن نطاق النصيحة إلى إطار المُجاهرة في التوجيه ممّا يجعل مظنة التشهير بالسوء راجحةً أكثر من مظنّة طلب الخير، ورُبّما بلغت إلى حدّ أنّها تحريض على الحاكم، وقد قال الشاعر وما أَحَبَّ قوله إلى قلبي :

تغمدني النصيــحة بانفراد *** وجنّبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع *** من التوبيخ لا أرضى استماعه

أتساءَل.. هل غابت هذه الحقائق والمفاهيم عن مُدَّعِي العلم والخلائق؟، وهل توارت عن أعينهم مبادئ وأخلاق العالم في حضرة الحاكم حتى ينال الأول قبول ورِضى الأخير أم غَشِيَها الحقد والغلُّ والكيد لدرجة عمِيت بها قلوبهم وجعلت السوء بأنواعه يطغى على عقولهم؟

ولم يعُد الخروج والتحريض على الحُكام على أشخاصهم فحسب ولكن ضد نظام كامل أمراً طبيعياً؟، وهل بات اللعب بالنار في حياة الناس واستقرارهم لتحقيق أغراض شخصية أو أجندة خارجية أمر مقبول؟، اللهَ أخافُ أن يتحقق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رُوِيَ عنه أنه «سيأتي على الناس سنوات خُدّاعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة».

لقد بلغ السيل الزُّبا، وما كنت لأتحدث عن ذلك من قبل، ولكن وجب اليوم أن نقول كلمة حق وإن كانت ستُغضِب الكثيرين حتماً، وهي كلمة للعلماء والدعاة أن اتقوا الله في حقوق البشر ورقابهم ولا تغرنكم الحياة الدنيا واجعلوا لأنفسكم مكانة وقدراً ولكن بحق الله عز وجل عليكم.

ولا تصدروا الفتوى على أهوائكم أو أهواء من نَقَلَهَا لكم، فاعتماد العالِم أو المفتي أو من يتصدّر للفتوى ــ وما أكثرهم اليوم ــ دون الرجوع للدليل الساطع والبرهان القاطع وإصدار الحُكم على سند قول من أشخاص بعينهم رُبّما كانت لهم مآرب أو مصالح معيّنة.

أو الاعتماد على ما تبثّه القنوات التلفزيونية من زاويتها التي تعمل لمصلحتها أمر جِدُّ خطيرٍ وفيه خطأ كبير، فكلنا يعلم أن للتصوير فنوناً لا تغيب عن عامّة الناس ولا عن هؤلاء العلماء أنفسهم كونهم ضيوفاً دائمين في استديوهات ومحطات تصوير، ويعرفون ما معنى «زووم إن» و«زووم أوت»، ويدركون ما يمكن أن تفبركه الكاميرا من حِيل سينمائية أو وسائل خداعية.

إنّ ما نلحظه اليوم هو بِعيْنِه ما عاشته الكنيسة في العصور الوسطى بسيطرة بابا الفاتيكان على شؤون الناس بل وفرض سيطرتها وسلطانها على الملوك والحُكّام وانتعاشها بفرض قوّتها على الحكومات، فهل يسعى هؤلاء القِلّة ممّن يدّعي العلم إلى فرض فكرة ولاية الفقيه على الناس والحكومة.

وهذا الوليّ الفقيه يرى نفسَه معصوماً من الخطأ والزلل، وهو فوق الحاكم يدير أمرهُ ويوجهه نحو الصواب، فهل نحن اليوم بصدد خلق وتوليد «ولاية الفقيه في الدُّوَل العربيّة»؟! لكي يكون الأب الروحي للبلد ويكون قدر سلطته أكبر من الحاكم ونفوذ سيطرته أوسع من السياسة العامة للدولة؟!.

أفيقوا أيها العرب قبل أن تندموا على ما أنعم الله به عليكم من نِعم وآلاء ، فو الله إن النعمة زوّالة، ولكن لا نريد أن نرفسها بأرجلنا بعد أن أصبحت بأيدينا، فأحفظوا حق الله وحقوق البشر عليكم، ولتكن غيرتكم على حكامكم الذين لم يقصروا يوماً بالعطاء لكم، وحفظ أنفسكم، ورفع شأنكم بين الناس والدول بأمر من الله عز وجل وبفضله، ولا تغرر بكم بعض المزاعم والأقاويل الخارجة عن نطاق الأدب.

فقد تابعتُ تغريدات أحد الدُّعاة عبر تويتر وهو يُفتي بعدم جواز الترحّم على الطاغية وإن كان مسلماً، ويقصد بذلك الرئيس الليبي معمر القذافي عندما قُتِل، فهل مثل هذا الشخص يمنع رحمة الله عن عباده وإن كانوا طغاة، أهو يقسم رحمة الله؟، والله يقول في كتابه }أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا {.. ] آية 32 سورة الزخرف[،وقرأتُ في الصحف اليومية ما أفتى به داعية آخر بقوله:

اقتلوا الطاغية أو اسحلوه في الأرض والطرقات، لأن الخروج عليه والبغاوة ضده واجبة، ويقصد بكلامه الرئيس السوري بشار الأسد، وأنا لست بصدد الدفاع عن هذا أو ذاك.

ولكن هذا الرأي بعيد كل البعد عن السياسة والعدل إذ حكّم عواطفه التي شاهدت ما تناقلته وسائل الإعلام دون أن يقف على الحقيقة، وإن كان يستحقّ ما يستحقّ من عقوبة تصدر عن أهل الاختصاص من قضاء وعدالة أم أنه بنى حكمه على خِلافِه الطائفيِّ معه على أي أمر آخر يستوجب محاكمته بالعدل والإنصاف ونَسِيَ مجيء رجل إلى عمر ــ رضي الله عنه ــ قائلاً: أن فلاناً فقأ عيني، فأمر مستعجلاً بفقأ عين من فعل ذلك، فمنعه علي ــ رضي الله عنه ــ قائلاً له ربما يكون قد فقأ عينيّ الرجل الآخر، وقد كان بالفعل أنه قد فقأ عينيه.

يجب أن نقرّ بأننا في مرحلة ضعف لا يمكن أن نناطح بها السحاب أو نركب الرقاب بدعوى النصرة للإسلام، فكلنا مسلمون والحمد لله، ونتمنّى نصرة الإسلام اليوم قبل غد، ولكن مازلنا في المرحلة المكية من عصر الإسلام لأننا جهلنا الكثير من أحكام عقائدنا والتي يحتاجها المسلمون لتقوية عقيدتهم بالله ــ عز وجل ــ قبل مواجهة غيرهم بالسلاح كما يطمحون ولينسى المدّعون من العلماء رغبتهم بالولاية الفقهية ليكون له منصب أكبر من الحاكم وليطرحه جانباً لأنه مرفوض حتى لدى معظم المسلمين ممّن نصّوا عليه بدساتيرهم فما بالك بحالنا نحن!

والله من وراء القصد