المظاهرات التي خرجت في عدد من المدن الأميركية بعد مقتل الفتى تريفون مارتن تجسد آلام وجراح أصحاب البشرة السوداء. وهي الجراح التي يبدو علاجها عصياً في وجود رئيس ذي بشرة سوداء في البيت الأبيض!

فمنذ حوالي الشهر، قتل الفتى مارتن ذو السبعة عشر عاماً لسبب وحيد هو لون بشرته.

فمارتن كان قد خرج لتوه من أحد المتاجر الصغيرة بولاية فلوريدا بعد أن اشترى لنفسه شاياً مثلجاً ولأخيه الأصغر بعض الحلويات. لكن الفتى شعر بأن هناك من يتبعه، فأسرع الخطى وتصور أنه قد ابتعد، إلا أنه سرعان ما تأكد أن الرجل الذي لا يعرفه لا يزال يلاحقه، فالتفت إليه وسأله «لماذا تتبعني؟»، فسأله الرجل بصفاقة « وماذا تفعل أنت هنا؟».

وما هي إلا لحظات حتى كان الفتى الصغير ملقى على الأرض قتيلاً، بعد أن أطلق عليه الرجل الرصاص.

وقد قيل وقتها: إن القاتل هو أحد المتطوعين في لجان حماية الحي، وأنه قبل أن يطلق النار على الفتى كان قد اتصل بالشرطة وقال لهم «إن هناك شخصاً مثيراً للريبة، يبدو أنه مدمن أو يتعاطى الكحوليات، ويبدو في طريقه لارتكاب شيء ما».

والقصة رغم فجاجتها، ليست ما فجر الغضب، فما تلاها كان الأسوأ. فقد أطلق سراح القاتل بعد تحقيق قصير، ادعى فيه الأخير أنه كان في حالة «دفاع عن النفس»، تسمح له وفق قوانين ولاية فلوريدا بأن يستخدم الرصاص الحي. ولم يتم توجيه أية اتهامات للرجل على الإطلاق.

وقد تلقت أسرة الفتى القتيل الصدمة في مقتله ثم صدمة الإفراج عن قاتله، لكنها أبت أن تستسلم وراحت تبحث بنفسها عن المزيد من المعلومات حتى لا يتم إغلاق ملف القضية، عندئذ تراكمت المفاجآت الواحدة تلو الأخرى طوال الأسابيع الثلاثة الماضية.

فقد تبين أن القاتل ليس مسجلاً في أية لجنة من اللجان التطوعية التي تساعد الشرطة، وأن الرجل مع ذلك دأب على ملاحقة الناس، وبالذات أصحاب البشرة السوداء. ثم اتضح أنه في المكالمة الهاتفية التي أجراها مع الشرطة بشأن الفتى الصغير، قيل له صراحة ألا يتبعه. بل إنه خالف القواعد التي تحكم عمل اللجان التطوعية، والتي تنص صراحة على ألا يستخدم المتطوعون السلاح.

ثم تبين أيضاً أن ذلك القاتل له صحيفة جنائية، ومع ذلك لم تقم أجهزة الأمن باتباع حتى الإجراءات القانونية الروتينية عند التحقيق معه، مثل إخضاعه لاختبار السموم وقت الحادث، الذي يكشف عما إذا كان مخموراً أو مخدراً. بل إن الشرطة قبلت حكاية «الدفاع عن النفس» تلك، رغم أنها مفضوحة تماماً. فكيف يمكن أن نطلق على من قام بإرادته بملاحقة شخص ثم قتله، أنه كان يدافع عن نفسه؟ كل تلك المعلومات أججت الغضب، فخرجت المسيرات في عدة مدن.

وقصة الفتى مارتن المريرة ليست جديدة، ولعل الأكثر مرارة أنها متكررة. فرغم اختلاف التفاصيل في كل حالة، إلا أن الجوهر واحد: اعتداء عنصري، ثم تواطؤ أجهزة الأمن مع المعتدي. فالقضية باختصار، هي العنصرية التي لا يزال المجتمع الأميركي يعاني منها. فما كان «مثيراً للريبة» في مارتن لم يكن شيئاً بدر منه، وإنما كان « لون بشرته».

فالعقل الجمعي الأميركي يعاني من فكرة كامنة لا يتم التصريح بها أبداً، مؤداها أن صاحب البشرة السوداء، بالذات من الذكور، هو بالضرورة « مجرم أو مشروع مجرم»، وهي فكرة بالغة العنصرية، يكرسها الإعلام وتمارسها على أرض الواقع أجهزة الأمن بشكل مستمر.

فأصحاب البشرة السوداء من السود وفق الإحصاءات الرسمية، هم الذين يتم توقيفهم بنسبة أعلى على الطرقات اشتباهاً فيهم. وهم الأكثر عرضة لانتهاك آدميتهم من جانب رجال الشرطة، والأكثر عرضة للتمييز في الوظائف والسكن، بل وفي الحصول على رعاية صحية مناسبة.

ووجود رئيس ذي بشرة سوداء في البيت الأبيض، لم يكن له أثر على الإطلاق على مظالم السود، بل لعله أدى لتعقيد الأمور. فمن ناحية، رغم أن الإعلام الأميركي راح فور تولي أوباما يروج لفكرة مؤداها أن الولايات المتحدة تخطت العنصرية بانتخابه، إلا أن العكس هو الصحيح. فقد أدى انتخاب الرجل إلى تأجيج مشاعر بعض البيض، الذين كان تولي أوباما بالنسبة لهم هو أحد تجليات التحول الديمغرافي الذي سيجعل منهم أقلية في غضون عقود قليلة.

لكن الأهم من ذلك هو موقف الرئيس أوباما نفسه من مثل تلك القضايا. فأوباما يحرص بشدة على تجنب الحديث في الأمور التي تخص السود وحدهم، لئلا يتهم بأنه «رئيس للسود وأنه يدعو للفرقة». فطوال أسابيع كاملة لم ينطق أوباما بكلمة واحدة، واكتفى المتحدث الرسمي بالقول: إنه لا يعلق على قضايا محلية. وهو تعبير فج بالمناسبة، لأنه يختزل الواقعة في موقع حدوثها، رغم أنها في جوهرها تتكرر في طول البلاد وعرضها.

لكن بسبب ضغط المظاهرات الغاضبة، اضطر أوباما للتعليق، فقال «إنه لو كان لي ولد لكان سيشبه تريفون»، وأضاف ان « علينا جميعاً أن نبحث في ذواتنا ونسأل أنفسنا كيف يمكن لشيء كهذا أن يحدث»، وتعهد بأن يتم التوصل إلى ما جرى في ذلك الحادث.

والحقيقة أن ما قاله أوباما، رغم أنه بدا «عاطفياً وشخصياً» وفق الصحف الأميركية، إلا أنه لم يتطرق للب القضية. فالتوصل إلى ما جرى في قضية مارتن رغم أهميته، إلا أنه يختزل الموضوع عبر تحويله إلى واقعة فردية يجب محاسبة مرتكبها، دون تناول الجوهر الذي يؤدي إلى تكرارها.

ومن هنا، فإن المفارقة الأهم على الإطلاق، هي أن تولي أوباما معناه تعطيل علاج مظالم أصحاب البشرة السوداء، على الأقل حتى يترك البيت الأبيض.