رحب العرب بدخول الصين إلى الأمم المتحدة كحليف استراتيجي يدافع عن قضاياهم القومية، وبشكل خاص الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، في المحافل الدولية.

 وقد حافظت الدولة الصينية على طابعها الاشتراكي مع السعي الى إضفاء مزيد من الديمقراطية على نظامها السياسي، ومزيد من الليبرالية على نظامها الاقتصادي، ومزيد من الانفتاح على العلوم العصرية وتعميق الروابط مع الثقافات الأخرى. فقدمت بذلك نموذجا ناجحا في كيفية إنجاز التحديث الشمولي دون السقوط في دائرة التغريب التي ما زال العرب يتخبطون فيها حتى الآن.

فالتحديث في نظر الصينيين لا يعني التغريب. وهم يرفضون المقولة السائدة لدى كثير من الباحثين الغربيين الذين يعتقدون أن الثقافة الغربية هي الأعلى بين الثقافات العالمية، وأن على الآخرين اعتمادها الثقافة الأولى أو الوحيدة في عصر العولمة.

 فمقولات التحديث الصينية ذات سمات صينية خاصة ولا يمكن أن تصنف إلى جانب حركات التحديث على النمط الغربي. وقد ساهمت في تحويل الصين إلى قطب فاعل في النظام العالمي الجديد، ومشارك صلب في بناء عولمة أكثر إنسانية من العولمة الأميركية الراهنة. وباتت الصين اليوم دولة قوية، متماسكة، ولديها ثقة كبيرة بالمستقبل.

فهي تراكم نسبة هائلة من الأنشطة العمرانية، والاقتصادية. وقامت بإصلاحات داخلية أحدثت تبدلات إيجابية لصالح ملايين الصينيين.

وهي تؤكد عاما بعد عام التوقعات القائلة بأن القرن الواحد والعشرين سيكون قرنا آسيويا بامتياز.

على خلفية تلك التطورات الثقافية الهامة تعززت العلاقات العربية ــ الصينية بوتيرة متصاعدة، تدعمها تبدلات جذرية في حجم التبادل الاقتصادي، والتوظيفات المالية في الصين والدول العربية. ورافقتها زيادة ملحوظة في حجم البعثات الثقافية بين الجانبين.

إلا ان غياب الصين لقرون طويلة عن المنطقة العربية، وانغلاقها وراء حدودها الجغرافية البعيدة وقدراتها العسكرية والمادية التي كانت محدودة بالقياس الى ما كانت عليه الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، وأوروبا، واليابان، أبقت الصين لاعبا ضعيفا في الشرق الأوسط لعقود طويلة.

بعد تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح تزايد التعاون الواسع بين الدول العربية وجمهورية الصين الشعبية بصورة ملحوظة في المحافل الدولية وفي المنظمات الثقافية، والمدنية، والاجتماعية، والاقتصادية، والقضائية وغيرها.

وبرز تعاون متبادل ومثمر بين الجانبين في مجالات عدة أبرزها : دعم قوات حفظ السلام الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، والمنظمات الدولية لمنع التمييز العنصري وحماية الأقليات، والمنظمة الدولية لإزالة كل أشكال التمييز ضد المرأة، واللجنة الدولية للتنمية البشرية المستدامة، والمنظمات الدولية غير الحكومية، والمنظمة الدولية لحقوق الأطفال، والمنظمة الدولية للزراعة والأغذية( الفاو)، وغيرها من المنظمات العالمية.

ساهمت العلاقات التجارية المتطورة بين الجانبين في تزايد عدد المؤتمرات الثقافية لتعميق الروابط المشتركة عبر مختلف أشكال الحوار العربي - الصيني. ومنذ أن تبنت الصين سياسة الإصلاح والانفتاح بدأت تستقطب آلاف التجار العرب والمسلمين حيث وبات عددهم يقدر بالآلاف، ومنهم من استقر في مدن صينية خاصة قوانزو عاصمة إقليم كانتون، ويقدر عددهم بأكثر من سبعين ألفا.

تبنت الصين الليبرالية الاقتصادية مع الانفتاح الكامل على الشعوب الأخرى، وعززت روابطها الثقافية والفنية معها. فتطورت العلاقات في المجال الثقافي بصورة مضطردة عبر توقيع العديد من الاتفاقيات الثقافية، والفنية، وزيادة الوفود الثقافية والفنية.

وتزايد عدد الطلاب العرب الذين يحصلون على منح دراسية من الصين، كما زاد حجم التبادل التجاري، وعدد البعثات الاقتصادية، والفرق الفنية، والوفود السياحية وغيرها.

تشهد المؤتمرات الثقافية العربية اليوم حضورا متزايدا لعدد من الباحثين الصينيين المتميزين الذين يتقنون اللغة العربية. ومنهم من نشر مقالات علمية باللغة العربية في مجلات عربية. وتعقد لقاءات دورية بين الباحثين في الصين والعالم العربي، يتم من خلالها الإعداد لمشاريع ثقافية مشتركة تحولت إلى تقليد سنوي يعزز العلاقات الثقافية بين الجانبين. وأظهرت الاتفاقيات المبرمة حديثا تطورا ملحوظا في مختلف المجالات.

هناك اهتمام متزايد للصين بالقضايا العربية رافقته زيادة كبيرة في حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية، مجتمعة ومع كل دولة عربية.

وقد تضاعف عدة مرات في السنوات الخمس الماضية، وباتت الصين تحتل المرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي، وفي موقع متقدم في مجال التبادل التجاري مع الدول العربية.

ونشطت حركة تبادل الوفود الثقافية والاجتماعية بين الصين والدول العربية عبر وزارات الثقافة، والتربية، والتعليم العالي، والسياحة، والإعلام وغيرها. وتنشط الجامعات، والمعاهد، ومنظمات المجتمع المدني، وجمعيات الصداقة لدى الجانبين.

ويؤسس المشاركون في الندوات الثقافية، وفي الدبلوماسية الشعبية، لقاعدة صلبة تساعد على تطوير العلاقات الثقافية بين الصين والعالم العربي على أسس جديدة تتلاءم مع طبيعة عصر العولمة. ولدى الجانبين إمكانات هائلة في مختلف المجالات الثقافية والأكاديمية والفنية.

مع ذلك، ما زالت العلاقات الثقافية بين الصين والعالم العربي أدنى بكثير مما يطمح اليه المثقفون العرب والصينيون. فهم يدعون إلى بناء تلك العلاقات على أسس ثابتة، وعبر خطط ثقافية مدروسة تعمق الروابط الثقافية والفنية بين الشعبين. ويبدي المثقفون العرب اهتماما جديا بالنموذج الصيني في بناء الوحدة الداخلية، والحداثة السليمة التي لا تقيم التعارض بين التراث والمعاصرة. وتساعد مقولات التحديث الصينية على تطوير البنى السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية في الدول العربية لتصبح أكثر قدرة على تحويل التعددية إلى مصدر غنى وتنوع، وحماية العيش المشترك، والحفاظ على السلم الأهلي.

فالصورة المتبادلة اليوم بين العرب والصينيين يغلب عليها طابع الإعجاب والاحترام المتبادل. وتلقى الوفود الثقافية الزائرة الكثير من الاهتمام من المثقفين ووسائل الإعلام لدى الجانبين.

ويتخرج سنويا عدد متزايد من الأطباء والمهندسين والأكاديميين والفنانين من الجامعات الصينية، خاصة في مجالات الطب والهندسة. ويتزايد عدد الطلبة الصينيين في الدول العربية مع تزايد المنح الدراسية عبر اتفاقيات التبادل الأكاديمي. وهذه مسألة ثقافية بامتياز، تحتاج إلى تطوير لتشمل جميع التخصصات، وتبادل الأساتذة، والخبرات المهنية، ومختلف أشكال التدريب.

ختاما، تعيش الصين والدول العربية مرحلة مؤاتية جدا لتطوير التبادل الثقافي والأكاديمي بين في المرحلة الراهنة. وذلك يتطلب نشر اللغة الصينية في الجامعات العربية، واستقدام أساتذة صينيين لتدريسها، وتوسيع دائرة تبادل الطلاب والباحثين والأكاديميين، وتشجيع إقامة الأسابيع الثقافية المتبادلة، والطلب إلى الفضائيات العربية عرض الأفلام الصينية.

وتلعب معاهد كونفوشيوس لتدريس اللغة والثقافة والفنون الصينية، دورا رائدا في نشر الثقافة الصينية.

وهي منتشرة في أكثر من جامعة عربية. ويبدي العرب والصينيون حماسا واضحا لتعزيز العلاقات المتبادلة في جميع المجالات.

مما يستوجب تذليل العقبات البيروقراطية والمالية، وتشجيع تبادل الوفود الثقافية والأكاديمية، وعرض المسرحيات، واستقدام الفرق الفنية، والموسيقية، وترجمة الكتب، وتنشيط جمعيات الصداقة العربية والصينية، ووضع برامج ثقافية طويلة الأمد. فتطور العلاقات بين الصين والدول العربية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يحمل على التفاؤل لأن آفاق التعاون فتحت على مصراعيها، وفي مختلف المجالات.