يقلب الجمهوريون الأخلاق رأساً على عقب. فهم يدينون الإجهاض واستخدام وسائل منع الحمل، والجدار الذي يفصل الدين عن الدولة.

ولكن الأزمة الأخلاقية التي تواجهها أميركا لا تمثل انهياراً في الأخلاق الخاصة، وإنما انهيار في الأخلاق العامة. فما يفعله الأميركيون في غرف نومهم هو أمر يخصهم وحدهم. أما ما يفعله مديرو الشركات التنفيذيون وممولو وول ستريت في مجالس الإدارة والأجنحة التنفيذية فيؤثر فينا جميعا.

إننا نعيش «حقبة مذهبة» جديدة تتسم بالاحتيال المالي وتضارب المصالح، والأجور الباهظة المقدمة للمسؤولين التنفيذيين والتجار وصناديق التحوط ومديري الأسهم الخاصة، والثغرات الضريبية التي تسمح لهم بدفع معدل ضريبي أدنى من ذلك الذي يدفعه العديد من الأميركيين في الطبقة الوسطى، والرشوة المشروعة المقدمة للموظفين العموميين من خلال «تبرعات» الحملة الانتخابية غير المحدودة.

وكان غريغ سميث، وهو نائب المدير التنفيذي السابق في مؤسسة «غولدمان ساكس» الذي أحدث ضجة بتوبيخه العلني اللاذع للشركة على وضعها أرباحها الخاصة قبل مصالح عملائها، سيرى الممارسات نفسها في أي مكان في وول ستريت.

ولا تتمثل المشكلة في الجشع المفرط. إذ إنك لو جردت وول ستريت من الجشع، لما تبقى منه سوى الرصيف. ولكنها تتمثل في الاستغلال المزمن للقوة والثقة. وذكر أستاذ العلوم السياسية جيمس كيو. ويلسون، الذي توفي قبل بضعة أسابيع، أن ترك نافذة ما مكسورة يشير إلى أن أحداً لا يهتم لكسر النوافذ. ويصبح ذلك بمثابة دعوة مستمرة إلى إلقاء المزيد من الحجارة على المزيد من النوافذ، وهو ما يسفر في نهاية المطاف عن تقويض المعايير الأخلاقية للمجتمع بأكمله.

إن النوافذ التي كسرها وول ستريت في السنوات التي سبقت الانهيار في عام 2008 لا تزال مكسورة. وعلى الرغم من الاحتيال المالي الذي تمت ممارسته على نطاق لم تشهده أميركا منذ ما يزيد على 80 عاما، فإن أياً من المسؤولين التنفيذيين في بنوك وول ستريت الكبرى لم يواجه تهمة واحدة.

وقانون دود-فرانك الجديد الذي كان يفترض به أن يمنع وول ستريت من تكرار هذا السلوك بات مليئاً بالثغرات، بفضل جماعات الضغط التابعة له، إلى درجة أنه يكاد يبدو كالخدعة. وعمد وول ستريت إلى منع إعادة إحياء قانون غلاس ستيغال، وحارب بنجاح ضد القيود المفروضة على حجم البنوك الأكبر.

والآن، يتدفق المال بحرية لم يسبق لها مثيل من الشركات العملاقة وبنوك وول ستريت إلى خزائن المرشحين للمناصب العامة. وأسهم القرار المخزي الذي توصلت إليه المحكمة الأميركية العليا في قضية «المواطنون المتحدون» ضد «لجنة الانتخابات الفيدرالية» في فتح الباب على مصراعيه.

ويحق للأميركيين أن تكون لهم وجهات نظرهم الدينية الخاصة في ما يتعلق بمنع الحمل والاجهاض. ولا يعد المجتمع الذي تفرض فيه مجموعة واحدة من وجهات النظر الدينية على عدد كبير من المواطنين الذين لا يتفقون معها مجتمعاً ديمقراطياً، بل يعد مجتمعاً ثيوقراطياً.

ولكن حوادث إساءة استخدام الثقة العامة، كتلك لتي شهدناها في وول ستريت وفي الأجنحة التنفيذية لأكبر الشركات الأميركية، لا تندرج في إطار الأخلاق الخاصة. فهي انتهاك للأخلاق العامة. وهي تضعف سلامة اقتصادنا وديمقراطيتنا، وتدفع الملايين من الأميركيين إلى استنتاج أن اللعبة مزورة.

ولا يمانع الجمهوريون الرجعيون في وصف القرارات الأخلاقية الخاصة التي لا يتفقون معها بال"مخجلة» و«المشينة» و«الوضيعة». ويصف راش ليمبو امرأة شابة بالـ «وقحة» لمجرد أنها تدافع عن معتقداتها في ما يخص الأخلاق الخاصة.

لقد رسم الجمهوريون حدود القاعدة المنخفضة للأخلاق. وقد حان الوقت لكي نقوم نحن برسم حدود القاعدة المرتفعة للأخلاق، ونطالب بوضع حد لسوء استغلال القوة الاقتصادية والامتياز الذي يميز هذا «العصر المذهب» الجديد. لا بد من إعادة إحياء غلاس ستيغال. ولا بد من تفكيك أكبر البنوك. ولا بد من زيادة الضرائب المفروضة على الدخول الهائلة. ونحن بحاجة إلى تعديل دستوري يبطل التقليد السيئ للحكم الصادر في قضية «المواطنون المتحدون».

وفي مناسبتين سابقتين، أسهم المصلحون في إنقاذ الرأسمالية من تجاوزاتها الخاصة من خلال مخاطبة الأخلاق العامة والفطرة السليمة. وحدثت أولاهما في مطلع القرن العشرين، عندما كان قادة الصناعة الأميركية قد احتكروا الاقتصاد وحولوه إلى صناديق عملاقة، وكانت السياسة الأميركية قد غرقت في مستنقع من المحسوبية والفساد، وكانت وظائف المصانع غير آمنة، حيث كانت تستلزم ساعات طويلة من العمل لقاء أجر ضئيل، وغالبا ما تستغل الأطفال. وردا على ذلك، قمنا بسن قوانين مكافحة الاحتكار، وإصلاحات الخدمة المدنية، وحماية حقوق العمال.

أما المناسبة الأخرى فكانت في ثلاثينات القرن الماضي، بعد أن انهارت أسعار الأسهم، وكانت نسبة كبيرة من العمالة الأميركية عاطلة عن العمل. وبعد ذلك، عمدنا إلى تنظيم البنوك وتأمين الودائع، وتطهير سوق الأوراق المالية، وتوفير التأمين الاجتماعي للمعدمين.

لقد حان الوقت مرة أخرى لأن ننقذ الرأسمالية من تجاوزاتها الخاصة، ولأن نبني عهداً جديداً من الإصلاح على أساس الأخلاق العامة والفطرة السليمة.