لعل وفاة البابا شنودة الثالث، تسلط الضوء على النموذج المصري للمواطنة، الذي تعرض للضرب دون هوادة بفعل دوافع مختلطة، من مؤامرات خفية وقصر نظر وسذاجة أيديولوجية.
إن أكثر الصور التي يختزنها الوعي الجماعي للمصريين عن العلاقة بين مسلميهم ومسيحييهم، قد تكون هي تلك الآتية من مخاضات ومحطات ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول، وشعارها الشهير "الهلال والصليب".
ففي تلك الثورة العارمة ضد الاحتلال الإنجليزي، كان الخطباء المسلمون يلقون الخطب الحماسية من على منابر الكنائس، فيما كان رجال الدين المسيحيون يفعلون المثل من على منابر الجوامع. ومن يعرف المصريين جيداً، سيدرك حتماً أن تلك الصورة لم تكن سوى الذروة لتقاليد تعايش على الأرض ممتدة لقرون، والأهم أنها جاءت من إبداع الناس في حياتهم اليومية.
التنميط الذي تعرضت له علاقة المصريين المسلمين والأقباط على مدى عقود بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي، لم يكن سوى استهداف غير مباشر للذاكرة الجماعية المصرية. فهذه الذاكرة الآن تبدو مغيمة بالظلال ومليئة بالثقوب، لأجيال شابة من المصريين وتالياً من العرب.
وفي وقت تسيد فيه منطق الطوائف والأديان بكل ما فيه من قراءات قاصرة، فإن كل تقاليد التعايش التي اجترحها المصريون قديما، تبدو اليوم للكثيرين مثل القصص المسلية، أمام ما خلفه الهجوم الذي لم يتوقف على تلك التقاليد من مرارات؛ سجل الصدامات بات متضخما، والمرارات الصغيرة والكبيرة عمقت مشاعر الشك والريبة.
ماذا في تلك القصص "المغيبة" من الذاكرة؟ لا شيء يوحي بمعجزات، سوى أن المصريين اعتادوا في الأحياء المختلطة أن يبادر المسيحيون بإقامة موائد إفطار لجيرانهم المسلمين في شهر رمضان. ولمن يعرف المصريين جيداً، سيدرك حتما أن وراء هذا التقليد تقف علاقات جيرة دافئة، في كل تفاصيلها اليومية الصغيرة والكبيرة.
أما في القرى والنجوع المصرية المتناثرة على جانبي النيل، فثمة تقليد آخر هو أنك ستجد في الغالب أن بجانب عمدة القرية المسلم كاتب قبطي. لا شيء قد يشير لجينات وراثية خاصة تجعل الأقباط أكثر براعة في المحاسبة والرياضيات، عدا أن هذا أصبح تقليداً يتجاوز التفسيرات السهلة، ليشير إلى دوافع تتجاوز البراعة في المحاسبة لصالح الإبقاء على حياة يومية قائمة على هذا التقليد.
هل نسينا أمراً آخر؟ أينما كان هناك مسجد وجدت بقربه كنيسة، والعكس صحيح..
أما التاريخ فيقول حقيقة أعظم من ذلك بكثير، عليكم بالتساؤل فحسب: أين كان أقباط مصر من كل الحوادث التاريخية التي واجهتها مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى اليوم؟
لن يجد المؤرخ أي علامة تشير إلى أن الأقباط كانوا خارج الصف بأي شكل، وهذه ستبقى عبارة صيغت بأقصى درجات الدبلوماسية والتلطف، لأنها ترجمة مهذبة لعبارات أقسى لا تليق بالحديث عن أقباط مصر: لم يمد الأقباط في يوم يدهم لأي محتل أو عدو لمصر، على امتداد تاريخها، بل كانوا دوماً في صميم معارك مصر التاريخية ضد المحتلين والغزاة أياً كانوا.
بل ثمة حقيقة ستصفع السذج؛ كان من بين قادة صلاح الدين الأيوبي أقباط من قادة الجيوش.
ولمحدودي الذكاء ممن يفترضون حكماً وبشكل ميكانيكي مهين للعقل، أن مسيحيي الشرق وقفوا مع إخوانهم (المفترضين) في الدين من الصليبيين في غزوهم التاريخي للمشرق العربي، فإن الحقائق ستصفعهم مرتين وعشر مرات. فلقد عانى مسيحيو الشرق (والأقباط من بينهم) من الصليبيين بمثل ما عاناه المسلمون. وكان مسيحيو الشرق ضمن الجيوش الإسلامية التي قاتلت الصليبيين وأخرجتهم من الأراضي المقدسة.
ما الذي يعنيه هذا كله؟ لنقترح سؤالاً: أعطونا سبباً واحداً يبرر استهداف الأقباط من قبل حفنة من المتعصبين الدينيين من أتباع التيارات الإسلاموية ومن أجهزة أمن النظام؟ أين المبرر لاستهداف الأقباط بأي شكل، سواء في خطابات تحريض أو حتى مجرد تخيل أنهم أعداء مفترضون بأي معنى؟
لا شيء، ولعل هذا هو ما يكشف بجلاء أن العداء الذي تم اختلاقه للأقباط داخل مصر، بفعل قصر نظر وسذاجة بعض التيارات أو الجماعات، جهلاً وتطرفاً، لمجرد كونهم مسيحيين فقط، هو ما يوفر المادة الحية التي تنفخ فيها منظمات لا أول لها ولا آخر وإعلام غربي، بتنميط ثابت ومتواصل حول العداء بين المسلمين والأقباط.
لمصلحة من يصب هذا كله؟ من يخدم هذا؟ ابحثوا عمن سيستفيد من إغراق البلدان العربية في حروب أهلية وطائفية لا تذر ولا تبقي، مع رجاء حارّ بأن لا تتعاملوا مع السياسة وكأنها نزهة لجيران، وليست صناعة التآمر الأولى.