رغم العداء الذي يحاول البعض أن يصطنعه بين الثقافة والرياضة، إلا أنني سعدت كثيراً للخبر الذي قرأته عن إفراد المناهج الدراسية في المملكة العربية السعودية، للمرة الأولى، مساحة لتدريس سيرة لاعب كرة قدم. فقد اختارت وزارة التربية والتعليم السعودية، كما جاء في الخبر، أن يكون أول درس في منهج اللغة الإنجليزية الجديد، يبدأ به طلاب المرحلة الثانوية فصلهم الدراسي الثاني، عن لاعب المنتخب السعودي ونادي النصر السابق ماجد عبدالله.

وحمل الدرس، الذي خصص للحديث عن حياته وموهبته وإنجازاته في الكرة السعودية، عنوان "جوهرة العرب"، واعتبره أسطورة نجاح متميزة تستحق أن تروى للصغار والشباب، لتكون مثالًا يحتذى به، واشتمل على معلومات مقتضبة عن أمثلة عالمية تجمعها بماجد عبدالله سمات الشهرة والموهبة الفذة والنجاح، رغم البداية الصعبة، مثل توماس أديسون، ومحمد علي كلاي.

خبر أسعد في رأيي كل الرياضيين، لأنه أنصف نجوم الرياضة العربية من الناحية المعنوية، حيث يعتقد الكثيرون أن التكريم المادي لا ينقصهم، وأعتقد أنه سيسعد المهتمين بإصلاح مناهج التعليم، لأنه قادم من المملكة العربية السعودية، حيث يدور جدل كبير حول مناهج التعليم التي يتهمها الغرب بإذكاء ظاهرة التعصب الديني، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وما زال هذا الجدل متواصلاً، تغذيه من الخارج مكاتب الديمقراطية وحقوق الإنسان التابعة لوزارات الخارجية الغربية، في حين تؤكد تقارير المعرفة والتنمية الثقافية العربية، أن مناهجنا التعليمية تشكو نقائص عدة، وتحتاج ثورة على غرار تقرير "أمة في خطر" الذي أطلقته الولايات المتحدة الأميركية أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، لإنقاذ نظامها التعليمي الذي قال عنه الرئيس رونالد ريغان آنذاك: "لو أن هذه المناهج التي بين أيدينا فرضتها علينا أمة من الأمم، لاعتبرنا ذلك اعتداءً سافراً علينا".

ما هي العلاقة بين خبر إفراد المناهج الدراسية في المملكة العربية السعودية مساحة لتدريس سيرة لاعب كرة قدم، وبين إصلاح مناهج التعليم في الوطن العربي؟

لعل الجواب يأتينا على لسان الخبير التعليمي الدكتور حامد عمار، الملقب بشيخ التربويين، الذي يؤكد ضرورة التجديد والتطوير والتحديث المستمر للمعلومات، قائلاً إنه في زخم الثورة المعرفية والتكنولوجيا، يقال إن كل معرفة تمر عليها ثلاث سنوات تصبح متقادمة، أما في العالم العربي، فالكتاب يظل كما هو من أيام سيدنا نوح، وإذا أرادوا أن يطوروه يغيرون جلدته وشكله، لدرجة أن بعض البلاد العربية ما زالت تدرّس نظريات عفا عليها الزمن، بل وكشف العلم الحديث عدم صدقها.

هذا التصريح الوارد على لسان أحد أشهر التربويين العرب، يكشف لنا سر الجفوة القائمة بين الطلاب العرب والمناهج الدراسية التي يتلقون العلوم والمعارف من خلالها. فمع كل الاعتزاز بتاريخنا العريق، إلا أن استحضار النماذج من التاريخ القديم وحده، لم يعد كافياً في ظل عالم منفتح على الحداثة بشكل لا سابق له ولا مثيل في تاريخ البشرية، علاوة على أن الجيل الحالي يبحث عن نماذج معاصرة له، قريبة منه، تشاركه اهتماماته وتوجهاته، نماذج تشبهه، تفكر بالطريقة التي يفكر بها، وتستخدم اللغة التي يستخدمها.

فالشنفرى، على سبيل المثال، شاعر فحل من شعراء الجاهلية، كانت له غاراته المعروفة، وقصيدته الشهيرة "لامية العرب" واحدة من أشهر قصائد الشعر العربي وأكثرها ثراءً لغوياً، وهي من أهم القصائد التي يجب أن يدرسها طلاب كليات الآداب واللغة العربية في الجامعات، لكنها لا تصلح لأن تُدَرَّس لطلاب أي مرحلة من مراحل التعليم في مدارس القرن الحادي والعشرين، الذين لم يسمعوا عن "السِّيْد العَمَلَّس" ولا "الأرْقَط الزّهلول" ولا "العَرْفاء الجَيْأل" الذين استعاض بهم الشاعر عن أهله الذين غضب عليهم، حتى لو استعان هؤلاء الطلبة بقواميس اللغة العربية كلها ليفكوا طلاسم "لامية العرب"، ويطلعوا على أسرار حياة "الشنفرى" ورفاقه في رحلة صعلكته قبل سبعين عاماً من الهجرة النبوية، فإن فائدة هذا محدودة في عصر الفضاء والإنترنت وأجهزة الحاسوب والهواتف الذكية.

لذلك نقول إن تدريس نماذج معاصرة من الأدباء والعلماء والمفكرين والرياضيين، وغيرهم من المبدعين في كل مجال، هو الوسيلة الأنجع لتقريب المناهج الدراسية من قلوب وعقول النشء الذين يهربون من غربة هذه المناهج عنهم إلى عالمهم الخاص، حيث لا "أرقط زهلول" ولا "عرفاء جيأل". ولذلك نقول أيضاً إن اختيار وزارة التربية والتعليم السعودية لسيرة النجم ماجد عبدالله، كي تكون موضوعاً لأحد دروس منهج اللغة الإنجليزية لطلاب المرحلة الثانوية، كان اختياراً موفقاً ضربت به أكثر من عصفور بحجر، فقد كسرت بهذا جمود المناهج التعليمية وقربتها من الطلبة، باختيارها شخصية رياضية قريبة من اهتماماتهم.

كما أنها قدمت نموذجاً يمكن الاحتذاء به في الالتزام والمثابرة والتواضع والأخلاق التي أصبحت تنقص بعض رياضيينا اليوم، أكثر مما تنقصهم المهارة والموهبة، علماً أن لدينا في دولتنا رياضيين يستحقون أن يكونوا قدوة وأمثلة تدرس سيرتهم، عندما تبدأ عملية تغيير مناهجنا الدراسية كي تكون قريبة من قلوب وعقول طلبتنا، ونعتقد أن هذه مهمة غير مستحيلة، شريطة أن تتوفر لدينا نية التغيير أولًا وأخيراً.

خطوة وزارة التربية والتعليم السعودية، هدف في مرمى الجمود الذي يغلف المناهج التعليمية. وعلى الآخرين أن يحذوا حذوها لتسجيل أهداف أخرى، قبل أن يطلق الحكم صافرة النهاية، ويخرج الجميع من المباراة خاسرين؛ جمهوراً وحكاماً ولاعبين.