دعونا نبدأ أولاً بالخبر السار، ومفاده أن الكعكة الاقتصادية الأميركية تنمو من جديد. فقد وصلت نسبة النمو في الربع الأخير من العام الماضي، إلى 3% على أساس سنوي. وكان فبراير الماضي، الذي شهد إضافة 227 ألف فرصة عمل جديدة، الشهر الثالث على التوالي الذي يشهد زيادة في عدد الوظائف تفوق 200 ألف وظيفة.
والآن، إليكم الخبر السيئ. لقد سجل نصيب العمال الأميركيين من ذلك النمو انخفاضاً قياسياً. وعلى الرغم من أن أميركا تنتج الآن من السلع والخدمات أكثر مما كانت تنتجه قبل بداية الركود عام 2007، فإنها تفعل ذلك مع انخفاض في عدد العمال الأميركيين بواقع ستة ملايين عامل.
وتمكنت الشركات من زيادة أرباحها بشكل رئيس، من خلال خفض كبير في التكاليف، وتشكل الرواتب أكبر تلك التكاليف. ولم تعمد الشركات إلى تخفيض الرواتب من خلال تصدير الوظائف فحسب، ولكن أيضاً من خلال استبدال العمال، لتحل محلهم أجهزة الكمبيوتر والتطبيقات البرمجية وشبكة الإنترنت. ومن الناحية النظرية، ينبغي لذلك أن يشكل إضافة إيجابية كبيرة، فهو يمكننا من زيادة الإنتاج، وتوفير الوقت. ولكن، كما قال تونتو للحارس الوحيد متسائلاً: "من نحن يا صديقي المخلص؟"!
صحيح أن بعض مكاسب الإنتاجية تنتشر على نطاق واسع، في هيئة أسعار منخفضة وقيم أكبر (فما يقدمه جهاز "آي فون" لحفيدتي ذات الثلاث سنوات في غضون خمس دقائق، يفوق ما قدمته قراءة الصحف اليومية لوالدي الذي يبلغ من العمر 98 عاماً)، إلا أن معظم المكاسب يتم توزيعها على نطاق ضيق، في هيئة أرباح أعلى يحصل عليها الملاك وتعويضات كبيرة تحصل عليها "المواهب".
أما الحصة التي تذهب إلى الآخرين في شكل أجور ومرتبات، فهي الآن الأصغر منذ أن بدأت الحكومة في متابعة الموضوع عام 1947. وفي حال استمر هذا التوجه، فإن انعدام المساواة سيصبح أكثر تطرفا من أي وقت مضى. وسنواجه أيضا عجزاً مزمناً في الطلب على ما يستطيع الاقتصاد إنتاجه الآن، إذ يدخر الأثرياء من أرباحهم أكثر من أي شخص آخر. والأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض، التي تحصل على فرص عمل أقل أو أجور أدنى، لا تملك القدرة الشرائية اللازمة للمحافظة على دوران عجلة الاقتصاد بأقصى سرعتها.
وتقل نسبة الأميركيين الذين يتم توظيفهم الآن وهم في سن العمل (58.6%)، عما كانت عليه منذ خمس سنوات (63.3%). ولا تزيد نسبة العمالة إلى عدد السكان في الوقت الحالي كثيراً على أدنى مستوى وصلت إليه في الصيف الماضي، عندما انخفضت إلى 58.2%.
ولم يتمثل المحرك الرئيس لعجلة الاقتصاد الأميركي في الإنفاق الاستهلاكي، وإنما تمثل في الشركات التي قامت بشراء الوسائل التكنولوجية وأعادت بناء المخزونات المستنزفة، غير أن الشركات لن تستمر في الإنفاق والاستثمار ما لم يبدأ المستهلكون في الشراء. ولكن كيف يمكن للمستهلكين أن يقوموا بذلك حين لا يحصلون إلا على القليل من المكاسب الاقتصادية؟ وهذا هو التناقض المركزي الكامن في قلب الاقتصاد الأميركي الحالي، وما لم يحل فإن انتعاش فرص العمل سيتباطأ، كما حدث في الربيع الماضي.
وقبل عام، شهدنا جولة أخرى من ارتفاع عدد الوظائف استمرت لمدة ثلاثة أشهر، حيث شهد كل من فبراير ومارس وإبريل من العام الماضي، زيادة في عدد فرص العمل تجاوزت 200 ألف وظيفة في الشهر. ولكن هذا الازدهار المحدود في مجال الوظائف، انتهى فجأة. وفي ذلك الوقت، عمد معظم المراقبين إلى تحميل الأحداث الخارجية مسؤولية ذلك التباطؤ، بما في ذلك وقوع الزلزال الياباني، وتراكم مشكلات الديون الأوروبية، وارتفاع أسعار الغاز.
ولكن التباطؤ، في حقيقة الأمر، نجم عن جيوب المستهلكين الأميركيين الفارغة. وقد يتم تحميل مسؤولية أي تباطؤ آخر هذه المرة لأي عدد من الأحداث الخارجية، بما في ذلك تباطؤ النمو في الصين والهند، وتفكك صفقة أزمة الديون في أوروبا، وارتفاع أسعار الغاز. ولكن في حال حدوث تباطؤ آخر، فإن السبب الحقيقي سيكون افتقار الأميركيين إلى المال مرة أخرى.
وفيما تشكل مكاسب الإنتاجية ميزة بلا شك، فإن التحدي الحقيقي القابع أمامنا يتمثل في توزيع تلك المكاسب على نطاق أوسع. وأحد الاحتمالات الواردة، هو أن تتم زيادة الضرائب على الأغنياء من أجل دعم أجور العمال ذوي الدخل المنخفض، جنبا إلى جنب مع تقاسم العمل.
وعلاوة على ذلك، فإننا نحتاج إلى مدارس أفضل (بدءاً من مرحلة الطفولة المبكرة إلى مرحلة الشباب، وصولاً إلى أنظمة التعلم مدى الحياة)، لكي يحظى الجميع بفرصة عادلة للحصول على حصة أكبر من المكاسب. وأخيرا، لابد من تحويل فوائد الثورة الإنتاجية إلى سلع عامة أكثر وفرة، بما في ذلك هواء وماء أكثر نظافة، وحدائق عامة ومنتزهات أفضل، وصحة عامة أكثر تطوراً، ووسائل نقل عامة أفضل.
ويريد اليمينيون الرجعيون من الأميركيين، أن يصدقوا أننا نعيش بما يتجاوز إمكاناتنا، وأننا لم نعد قادرين على القيام بأي من تلك الأشياء. والحقيقة هي عكس ذلك تماما، إذ إن إمكانات معظم الأميركيين لم تواكب ما كان يمكن للاقتصاد أن يوفره، لو أن مكاسب الإنتاجية تم تقاسمها على نطاق أوسع.
ويتذمر الرجعيون من اقتراض أميركا، ومن مستقبل العجز في الميزانية الفيدرالية. والواقع أن العالم مستعد لأن يقدم لنا مبالغ طائلة من المال نظراً لإنتاجيتنا العالية، ومكاسب الإنتاجية تجعلنا أكثر إنتاجية من أي وقت مضى.
أتفهمون ما أعنيه؟ إن الكعكة الأميركية تنمو من جديد، ولكن معظم الأميركيين لا يحصلون على قطعة كافية منها. ولا شيء يهدد مستقبلنا الاقتصادي، بقدر ما يهدده انعدام التوازن هذا.