أرسل كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة وفداً إلى دمشق يوم الاثنين الماضي لمناقشة مبادرة قدمها للسلطات السورية، تمهيداً للوصول إلى حل للأزمة.

وكانت جامعة الدول العربية تقدمت بدورها بمبادرة في نهاية شهر يناير الماضي للهدف نفسه، هذا إضافة إلى مبادرة روسية ومبادرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومبادرة صينية، ومبادرات عديدة أخرى من جهات أقل أهمية، وتهدف جميعها إلى وضع الأزمة السورية على طريق الخلاص والوصول إلى تسوية.

تتضمن هذه المبادرات المتعددة في طياتها أهدافاً ثلاثة رئيسة هي: وقف العنف والعمليات العسكرية، وعقد الحوار بين السلطة السورية والمعارضة، وحل القضايا الإنسانية لسكان البلدات والمدن وللمدنيين المحتاجين للمساعدة الغذائية والطبية والأمنية.

إضافة إلى مطالبتها بتحقيق أهداف أخرى جزئية أو أقل أهمية. ولدى التدقيق في هذه المطالب التي تضمنتها معظم المبادرات يستنتج المحلل صعوبة وصولها إلى هدفها بل استحالة هذا الوصول، لأن المطلب الرئيس فيها هو وقف أعمال العنف، وهو في الواقع مطلب متعذر التحقيق، ذلك لأن السلطة السورية ترفضه رفضاً مطلقاً، لأنها تصر على وجود عصابات مسلحة تستخدم العنف ضدها.

وتشترط وقف العنف من قبلها أولاً، بينما ترى المعارضة عدم وجود أية مجموعات مسلحة، وأن استخدام العنف من قبل المتظاهرين هو للدفاع عن النفس، ولذلك لابد من أن تبدأ السلطة بوقف مسبق لاستخدام السلاح وقصف القرى والمدن والسكان المدنيين الآمنين.

وسحب الجيش المنتشر في كل مكان، وإعادته إلى ثكناته، وترى المعارضة أن إصرار السلطة على مزاعمها بوجود عصابات مسلحة هو شعار تستخدمه لتبرر عنفها معتمدة على أنه أمر لا يمكن نفيه، وتستخدم السلطة هذا الشعار لتبرر ممارساتها العسكرية.

وعلى ذلك فإن الهدف الرئيس لكل هذه المبادرات هو هدف متعذر التحقيق، خاصة وأن السياستين الروسية والصينية تشاركان النظام السوري رأيه هذا. وبالتالي يسقط أي احتمال للوصول إلى تسوية منذ الخطوة الأولى.

أما الموضوع الثاني الذي تضمنته المبادرات جميعها فهو عقد الحوار بين السلطة والمعارضة، وهذا الموضوع يلاقي بدوره صعوبات كبيرة في تعريف مضمونه وأهدافه وأساليب تحقيقه، فالسلطة يشاركها الروس والصينيون، تقترح أن تتحاور هي والمعارضة دون أية شروط مسبقة، ودون أية خارطة طريق .

ولا أهداف محددة، وترى أن يجتمع الطرفان، ويبحثان شؤون الأزمة فهذا هو مفهومها للحوار، بينما ترى المعارضة السورية أنه لابد من تحقيق أمرين رئيسيين قبل عقد أي حوار: أولهما إيجاد مناخ ملائم للحوار، يتمثل في إطلاق عشرات آلاف المعتقلين، وسحب الجيش من القرى والمدن وإعادته إلى ثكناته، والسماح بالتظاهر السلمي.

وإحالة المرتكبين إلى المحاكمة، وهم أولئك الذين قتلوا ما يقارب عشرة آلاف متظاهر وجرحوا عشرات الآلاف الأخرى، فضلاً عن ممارستهم التعذيب والإهانة وحرق البيوت وسرقتها، وعندما يتحقق ذلك تكون الطريق، برأي المعارضة، سالكة للحوار.

أما الأمر الثاني فينبغي أن يتركز الحوار حول كيفية تغيير النظام إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي، وتحديد المرحلة الانتقالية اللازمة لذلك، وشكل حكومة الوحدة الوطنية التي تشرف على هذه المرحلة، والصلاحيات التي ستمنح لها والتي تعود الآن لرئيس الجمهورية، تمهيداً لانتخاب هيئة تأسيسية تعد دستوراً جديداً للبلاد، وإقامة الهيئات الدستورية والتشريعية اللازمة.

ترفض السلطة السورية أيضاً رفضاً مطلقاً هذا المقترح، كما ترفض التنازل عن أي من صلاحياتها الحالية لأي جهة كانت، وترى أن القوانين التي صدرت منذ بدء الثورة والتي تسميها قوانين إصلاحية هي إصلاحات كافية، وهذا الرفض بدوره هو سبب جدي لفشل المبادرات المقدمة جميعها.

لهذا، ودون الدخول في التفاصيل، فإنه يتعذر الوصول إلى حل للأزمة السورية بطريق هذه المبادرات، حتى لو تدخل الروس والصينيون وغيرهم، لأن السلطة السياسية السورية مقتنعة بأن الحل الأمني الذي تتبعه حالياً سيوصلها إلى القضاء على الثورة، فهي واثقة من فعالية هذه السياسة وهذا الخيار وإمكانياته، مع أن واقع الحال يشير إلى أنه كلما ازدادت السلطة في ممارسة العنف تزداد الثورة اشتعالاً، ويؤدي هذا العنف إلى تسلح الثائرين، وممارسة عنف مضاد، مما يصعد وسائل العنف إلى مواجهات عسكرية، وقد تتطور لتحرق الأخضر واليابس.

إن عدم قبول السلطة السورية هذه المبادرات الإقليمية والدولية يبقي الجرح مفتوحاً، ويزيد الأمور تعقيداً، خاصة بعد أن انشق آلاف الجنود والضباط عن الجيش السوري النظامي وشكلوا ما سمي جيش سورية الحر، وهناك محاولات من بعض البلدان لتسليح هذا الجيش وتمويله وتأهيله لبدء صراع عسكري مع الجيش النظامي.

وهذا يؤدي، بطبيعة الحال، إلى تنحية الحل السياسي جانباً وإلغاء دور التيارات السياسية المعارضة القائمة حالياً، وتحويل الأزمة إلى صراع بين جيشين سوريين، من شأنه، إذا طال، أن يدمر الدولة السورية بكاملها بمنشآتها ومؤسساتها وليس السلطة القائمة فقط، أو النظام السياسي فقط، ويعيد سوريا عقوداً إلى الوراء.

من غير المتوقع إذن وصول أي من هذه المبادرات إلى حل جدي وشامل ونهائي، وبالتالي فإن عمر الأزمة السورية سيطول، وستزداد عنفاً وتعقيداً، كما تزداد عسكرتها وتحولها إلى صراع مسلح بين طرفين سوريين، مما يفتح الباب لجميع دول العالم للتدخل في شؤون سوريا، ويخرجها من أيادي شعبها، ويجعلها ميداناً لتصفية الحسابات بين الدول الكبرى، ويبقى الحل أولاً وأخيراً بيد السلطة السورية الحاكمة.