طالما أحاطت بمصطلح "الاستقلال الوطني" جاذبية من نوع خاص، فهو رديف "الحرية" و"السيادة " و"الكبرياء" و"الكرامة" التي هي الأخرى مصطلحات لها جاذبيتها في أوساط الشباب خاصة. وطالما سُفكت دماء وفُتحت معتقلات للتعامل مع من يرفع شعارات تطالب بتحقيق "الاستقلال الوطني" في العديد من مناطق العالم خاصة في الشرق الأوسط.

"الاستقلال الوطني" يعني تحقيق السيادة، أرضا وبحرا وجوا، في موقع له حدوده الجغرافية، ويعني حرية اتخاذ القرارات الاستراتيجية والتكتيكية فيما يختص بحاضر هذا الموقع ومستقبله بمعزل عن أية إرادة خارجية، إقليمية كانت أم دولية. وتحقق الدول ذلك بتوظيف الموارد الطبيعية والبشرية المتوافرة في هذا الموقع في أطر التشريعات والتقاليد والعادات السائدة.

ولكن مفهوم "الاستقلال الوطني" هذا ينبغي أن لا تُضفى عليه خصائص "المُطلق"، فسياسات هذه الدول ليست من دون قيود والتزامات، فلأنها أعضاء في الأسرة الدولية عليها مراعاة ما يعني ذلك لها ولبقية أعضاء الأسرة. فقد ضمنت القوانين الدولية احترام "الاستقلال الوطني" حين ضمنت حق تقرير المصير للشعوب، إلا أن ما يجري ضمن حدودها الجغرافية ليس شأناً داخلياً بحتاً لا يخص الأسرة الدولية.

فالاستقلال الوطني للدولة وحق السيادة داخل حدودها الجغرافية لا يعني منح الحاكم حق الانفراد بشعبه وفعل ما يشاء، كما حصل ويحصل في دول عديدة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وُضعت، على مستويات دولية وإقليمية، العديد من التشريعات الهامة عززت مفهوم "الاستقلال الوطني" حين جعلت الفرد وحقوقه وليس الحاكم وحاشيته محوراً لذلك. فهذه التشريعات، في مواد كثيرة فيها، تلزم الحكومات على احترام الإنسان وحريته في الاختيار وحريته في الانتماء وحريته في التعبير عن آرائه في شتى المجالات.

نذكر منها المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) والمادة (10) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (1950) والمادة (13) من الاتفاقية الأمريكية لحماية حقوق الإنسان (1969) والمادة (9) من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981). ولا يفوتنا في هذا الصدد ذكر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في السادس عشر من ديسمبر 1966 على أن يبدأ العمل به في الثالث والعشرين من مارس 1976.

إلا أن هذه التشريعات لم تُفعل إلا في ظروف خاصة، فلطالما أعارت الأسرة الدولية ومنظماتها آذانا صماء لشكاوى الأقليات العرقية أو الدينية أو المذهبية المضطهدة، وطالما تجاهلت معاناة الحركات السياسية المعارضة المطاردة في هذه الدولة أو تلك، وغضت الطرف عن انتهاكات كثيرة تعرضت لها بعض الدول سواء عن طريق الاحتلال المباشر أو عن طريق ربطها باتفاقيات أو إلزامها بالدخول في أحلاف قد لا تخدم مصالحها، ووقفت لا حول ولا قوة لها متفرجة على مجازر رهيبة ذهب ضحيتها مئات الآلاف من البشر في آسيا وأفريقيا.

ويرجع السبب الرئيس في ذلك إلى التراجع الذي شهده العالم في القيم الإنسانية أبان مرحلة الحرب الباردة حين أصبحت مصالح الدول الصغيرة قرابين على مذابح الصراع من أجل التفوق الإستراتيجي الذي سعى طرفي الصراع في العالم لتحقيقه، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، والذي كرس وجود عدد كبير من الدول، في المعسكرين، لا ترقى الممارسات فيها، من قريب أو بعيد، إلى مستوى المعايير التي تضمنتها التشريعات المشار إليها.

بدأت الإرهاصات الأولى لتفعيل هذه التشريعات مع نهاية الحرب الباردة واختلال التوازن الدولي لصالح الغرب بقيادة الولايات المتحدة، فقد أصبح تخطي السيادة الوطنية للدول أكثر سهولة عن ذي قبل وهو ما شهدناه حين أعيد رسم خرائط منطقة البلقان إثر الحروب التي شنها حلف الأطلسي هناك، وشهدناه بعد ذلك في كل من أفغانستان والعراق وأخيراً في ليبيا.

فلم يعد مقبولاً لدى الأسرة الدولية، سواء بقناعاتها الذاتية أو بفعل التأثير الغربي على مواقفها، أن تبقى صامتة إزاء الانتهاكات التي تجري بحق الشعوب في هذه الدولة أو تلك، ولم يعد التدخل لإرغام الحكام على الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان وحرياته خياراً غير مقبول لديها.

فقد بدأ الغرب على الرغم من ماضيه الاستعماري الذي لا يزال حاضراً في الأذهان يلعب دور المنقذ للشعوب التي تعاني من تسلط حكامها حين بدأ يحاصر الدول التي لا ينظر إليها بعين الرضا ويبعث برسائل التطمين للجماهير الغاضبة في ميادينها بأن لها حليفاً دولياً كبيراً يُعول عليه يستطيع إرغام الحاكم المستبد على التنحي عن موقعه بشتى الطرائق المتاحة حتى لو تطلب ذلك استخدام القوة.

وعلى الرغم من أن هذا الغرب قد نجح، عبر المنظمات الدولية، في وضع الآليات المناسبة لتفعيل التشريعات الدولية المتعلقة بحريات الإنسان وحقوقه وحقق بعض النجاحات حين وضع هذه الآليات موضع التنفيذ، واستطاع أن يحسن صورته في أكثر من محفل من محافل السياسة الخارجية المثيرة للجدل.

وحظيت إجراءاته بتعاطف قوى سياسية طالما حملت راية العداء له ودأبت على التشكيك في نواياه، إلا أنه من جانب آخر لا يزال بعيداً بعض الشيء، لأسباب تتعلق بمصالحه ومصالح بعض حلفاءه، عن اعتماد معايير واحدة في مقاربة جميع الحالات مع أنه رحب بانهيار أنظمة حلفاءه في كل من تونس ومصر.

الولايات المتحدة التي تقود حملة عالمية من أجل التغيير نحو الأفضل عبر إصرارها على تفعيل التشريعات الدولية التي تتعلق بحقوق الإنسان وحرياته تواجه اختباراً حقيقيا حول مدى أهليتها لقيادة حملة كهذه. فتهمة اعتماد المعايير المزدوجة التي لاحقت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مدى العقود الماضية لم تُسقط عنها بعد.