إذا ظل الحزب الجمهوري الأميركي على حالته الراهنة، فالأرجح أن مصيره الزوال خلال العقدين القادمين. فالحزب يزداد "بياضا"، بينما الولايات المتحدة الأميركية تموج بكل ألوان الطيف.
ففي الوقت الذي تزداد فيه التعددية العرقية والإثنية زخما في أميركا، حتى أن غير الملونين سيمثلون الأغلبية خلال عقدين من الزمن تقريبا، فإن الحزب الجمهوري يزداد استعداؤه للأقليات يوما بعد الآخر، حتى أن جمهوره الرئيسي صار من البيض باستثناءات قليلة. وانصراف الأقليات عن الحزب ليس تلقائيا، وإنما هو نتيجة مباشرة لاستراتيجيات الحزب عبر خمسة عقود.
فعندما اندلعت حركة الحقوق المدنية في الستينات، تغير وجه الحياة في أميركا. وقد نجحت الحركة وقتها في إحراج مجتمع البيض، الذي طالما تغنى بديمقراطيته وقيمه من الحرية للمساواة.
فالتعامل البوليسي الوحشي مع حركة سلمية تطالب بحقوق متساوية للأميركيين من أصل إفريقي، كان صادما لضمير قطاعات واسعة من البيض الذين لم يكونوا راضين عن التمييز العنصري، ولكنهم لم يتحركوا لمواجهته، فكانت تلك هي اللحظة الفاصلة التي دفعتهم لدعم مطالب الحركة. لكن ظل هناك بيض آخرون عارضوا ما كان يحدث كله، وظلوا على مواقفهم التقليدية.
وفي أوج حركة الحقوق المدنية، تم إلغاء العنصرية المقننة وصدرت قوانين تحمي حقوق الأميركيين من أصل إفريقي في التصويت، وقوانين تمنحهم حقوقهم المدنية التي حرموا منها.
وهي القوانين التي اتسع تطبيقها ليشمل كل الأقليات التي تعرضت للتمييز، بما في ذلك المرأة. ولأن تلك القوانين مرت بدعم قوي من الرئيس جونسون الديمقراطي وحزبه الذي كانت له الأغلبية في الكونغرس وقتها، فقد انحازت الأقليات للحزب الذي انحاز لحقوقها، خصوصا وأن مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة في 1964، باري غولدووتر، عارض بشدة صدور قانون الحقوق المدنية.
ثم جاءت انتخابات 1968 الرئاسية، وسط اندلاع حركة أخرى هي الحركة المناهضة لحرب فيتنام، والتي اضطرت جونسون ألا يرشح نفسه لولاية ثانية، ففاز ريتشارد نيكسون الجمهوري.
لكن نيكسون كان أول من استخدم استراتيجية انتخابية صارت تعرف لاحقا باسم "استراتيجية الجنوب"، وهي استراتيجية كان هدفها الأساسي فوز الحزب الجمهوري، ضد حزب صار هو حزب الحقوق المدنية ودعم الأقليات ضد العنصرية والتمييز، وأيضا الحزب الداعم للطبقة الوسطى.
ومن ثم كان الحل هو اللعب على الوتر الحساس لدى البيض المحافظين، الذين لم يشعروا بالارتياح لما جرى بموجب حركة الحقوق المدنية من إنجازات للأقليات. فصنعت تلك الاستراتيجية رسالة انتخابية موجهة تحديدا لهؤلاء البيض المحافظين، والذين كانوا في غالبيتهم الساحقة يقطنون ولايات الجنوب، التي رفضت تاريخيا إلغاء العبودية.
ولم تكن تلك الرسالة مباشرة كرسالة غولدووترالذي هاجم مكتسبات الأقليات علنا، وإنما رسالة تستخدم لغة شفرية يفهمها جيدا أولئك البيض، بينما يصعب اتهامها بالعنصرية. وريغان، كأول مرشح جمهوري قوي بعد نيكسون، أبدع في صياغة تلك اللغة الشفرية. فمضمون الرسالة كان أن الحزب الديمقراطي قد ذهب بعيدا نحو دعم الأقليات على حساب مصالح البيض.
أما اللغة الشفرية فاستخدمت تعبيرات مثل "حقوق الولايات"، ومعناه وضع حد لمزايا الأقليات، لأن حكومات الولايات كانت دوما من أبدع في تصميم القوانين التي تحرم الأقليات من حقوقها، بينما ظلت الحكومة الفيدرالية هي التي تنصفهم. وقد استخدم ريغان أيضا تعبير "ملكة الرفاهية الاجتماعية"، مشيرا لسيدة سوداء زعم أنها تعيش حياة الملوك بالأموال التي تحصل عليها من برنامج "الرفاهية الاجتماعية" المخصص لرعاية الفقراء.
وقد ظل المرشحون الجمهوريون لكل المناصب الفيدرالية، يستخدمون استراتيجية الجنوب بنجاح، حتى صار الجنوب المعقل الرئيسي للحزب.
لكن الجديد في العام الحالي، هو أن اللغة المستخدمة لم تعد "شفرية"، وإنما مباشرة وتنضح بالعنصرية في أحيان كثيرة. فعلى سبيل المثال، وصف مرشح الرئاسة غينغريتش، الرئيس أوباما بأنه "أفضل رئيس طوابع طعام في تاريخ أمريكا".
وطوابع الطعام يحصل عليها الفقراء من الحكومة الفيدرالية، لمبادلتها بالطعام من محلات البقالة. وقال غينغرتش أيضا، إنه على استعداد للذهاب لكبرى منظمات السود، ليقول هناك إن الأفضل للأمريكيين من أصل إفريقي هو أن يطالبوا بشيكات نظير عملهم لا بطوابع الطعام. والمرشح ريك سانتوروم قال إنه "لا يريد حياة أفضل للسود من أموال الآخرين".
والحقيقة أن كل تلك التصريحات تنطوى على عنصرية فجة، لأنها تزعم زورا أن الأميركيين من أصل إفريقي، هم الذين يعيشون على برامج الرفاهية الاجتماعية الحكومية التي يمولها دافعو الضرائب "البيض"، طبعا وفق ذلك الزعم، في حين أن كل الإحصاءات الرسمية الحكومية، تؤكد أن البيض هم الأغلبية بين الحاصلين على مزايا تلك البرامج، وليس السود، بينما تدفع الطبقة الوسطى السوداء الضرائب كالطبقة الوسطى البيضاء. أما المرشح ميت رومنى، فقد ضم لإدارة حملته واحدا من أهم مبدعي استراتيجية الجنوب منذ عهد بوش الأب.
واستراتيجية الجنوب هي الحيلة التي يستخدمها حزب الرأسمالية الكبيرة في أميركا، لصرف الانتباه عن تلك الحقيقة. فالحزب الجمهوري الذي يحمي بسياساته مصالح الطبقة الأكثر ثراء في المجتمع، يحصل على تأييد الطبقة العاملة البيضاء، عبر إقناعها بأن سوء أحوالها الاقتصادية ليس سببه توحش تلك الطبقة وجنوحها الذي أدى لانهيار الاقتصاد، وإنما سببه الأقليات التي "تعيش على حسابهم"، سواء كانوا الأميركيين من أصل إفريقي أو المهاجرين من أميركا اللاتينية الذين "يسرقون وظائفهم".
لكن تلك الاستراتيجية المبطنة بالعنصرية، يمكنها أن تساعد الحزب على الفوز طالما ظل البيض أغلبية. أما إذا وصلنا إلى العام الذي تصبح فيه الأقليات هي الأغلبية في أميركا، فسيخبو الحزب حتى يتلاشى من على الساحة، كما زالت قبله أحزاب أميركية أخرى حين انصرفت الأغلبية عنها.