في سيرة البابا شنودة الثالث الذي رحل السبت 17 مارس، ما يعيد التذكير بحقائق تبدو غائرة في ذاكرة راهنة أصبحت لا تعرف سوى لونين: أسود وأبيض. ستذكرنا تلك الحقائق بعالمين: عالم ما زال يتداعى وعالم آخر سائد.

 وما نعيشه اليوم من حالة احتراب على أكثر من وجه، ليس سوى محاولة لاستعادة بعض قيم ذلك العالم المتداعي، الذي ينتمي إليه شخص مثل البابا الراحل.

"نظير جيد روفائيل"، قبل أن يصبح بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، خريج كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، مدرس للغة العربية واللغة الإنجليزية.. ملازم (سابق) في الجيش المصري.

وهذه المعلومة الأخيرة لو دفعتنا للبحث في موقع يوتيوب، سوف يذهل كثيرون من هتافات "الله أكبر"، التي كان يرددها الجنود المصريون لحظة وصولهم إلى الضفة الشرقية لقناة السويس أثناء حرب أكتوبر 1973. لكن هذا لن يغيب حقيقة أخرى، هي أن أولئك الجنود كانوا خليطاً من مسلمين وأقباط، وأن قائد الجيش الثاني في تلك الحرب كان قبطياً هو اللواء عزيز غالي.

ما الذي سيعنيه هذا على أية حال؟ صورة متضادة تماماً لذينك العالمين: المتداعي، والسائد حالياً الذي لا يقوم إلا على منطق احترابي: الطوائف والأديان.

عندما يستعيد المرء حقائق مثل هذه، سيذهل حتماً أمام صور ظَلّ الإعلام الغربي (والعربي من ورائه طبعاً)، يعيد إنتاجها على مدى ثلاثة عقود تقريبا، بتنميط مذهل حتى ترسخت في أذهان أجيال متعاقبة من العرب، مسلمين ومسيحيين. صور مرسومة بتبسيط مهين للذكاء: أقباط مصر مظلومون من مسلميها.

مع هذا يتعين الاستدراك، فما أطلق عليه الصحوة الإسلامية بنشوة بالغة مطلع ثمانينات القرن الماضي، كانت في أحد أبعادها غير الظاهرة تشظياً لمفهوم "المواطنة"، الذي جعل المصري المسلم والمصري القبطي يخدمان معاً في الجيش ويقدمان ضريبة الدم معاً، دون أن يتوقف أحد، بل ونظام دولة بأكمله، عند ما إذا كان المطلوب للتجنيد الإجباري اسمه جرجس أو حسنين.

لم أخفِ إعجابي بالبابا شنودة الثالث يوماً، وعلى مدار سنوات مضت، كتبت عنه بضعة مقالات، فيما بعض أصدقائي المصريين يعتبرون بعضاً من دوافع هذا الإعجاب مبنياً على تصورات ساذجة. بالنسبة لي، كان يكفيه أنه وقف مع أولئك المصريين من مواطنيه (للتذكير حسب مقتضيات منطق العالم السائد اليوم: بينهم مسلمون كثر)، الذين رفضوا مرافقة الرئيس الراحل أنور السادات في رحلته التاريخية إلى القدس عام 1977.

لقد دفع ثمن ذلك الموقف، وتالياً تحمل نتائج عداء النظام له، لكن ما ينساه كثيرون في قراءة هذا الموقف، هو أن دوافع البابا كانت "وطنية" أكثر منها "طائفية". فماذا يمكن أن يعنيه رفض بابا مسيحي لأكثر الطوائف رسوخاً في المسيحية، لزيارة المدينة المقدسة للمسيحيين، بل والمضي أكثر، حتى وفاته، بتحريم زيارتها على رعيته من الأقباط، مشددا على عبارته الشهيرة: "لن أدخلها إلا مع إخواني المسلمين".

عدا تبعات العداء المعلن للنظام، تحمل البابا ورعاياه من الأقباط المصريين، سذاجة أولئك النفر من التيارات التي لا ترى في التدين إلا إعلان حرب على الآخرين، حتى لو كانوا إخوة الوطن.

فحوادث الصدام بين المسيحيين والمسلمين في مصر منذ الثمانينات، لم تكن إلا نتيجة شحن متواصل، ضرب من وجهة نظري تقاليد إخاء راسخة في التاريخ المصري. شحن جاء من حرب غير معلنة لأجهزة أمن النظام، وسذاجة بعض التيارات الإسلاموية التي لم ينج منها حتى الإخوان المسلمون، الذين ينظر إليهم منذ زمن باعتبارهم أكثر الأحزاب الإسلامية عقلانية وبراغماتية.

ففي مصر، صرح مرشد الإخوان قبل سنوات بأن على الأقباط أن يدفعوا الجزية، وفي الأردن وفلسطين كان الإخوان المسلمون لا يذكرون اسم حنان عشراوي إلا بإسمها الأوسط: "حنان ميخائيل عشراوي". تذكير مقصود بأن هذه المرأة التي تلعب دوراً في الساحة الفلسطينية هي مسيحية، وترك الباقي للمخيلة بما تستحضره كلمة "مسيحي" في أذهان بعض البسطاء من الناس.

أما الإعلام الغربي عندما يتحدث عن البابا شنودة الثالث والأقباط، فلم يكن ليأبه أبداً بموقف البابا الشهير برفضه زيارة القدس مع السادات وتحريم زيارتها على رعاياه من الأقباط المصريين، ولم يكن يتطرق إليه حتى من باب الخلفيات أو التذكير، بل كان ينفخ بتنميط مهين للذكاء غالباً، في الصراع بين المسلمين والمسيحيين.

لكنهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي.. هكذا يعلق بعض الأصدقاء المصريين وغيرهم، في إشارة إلى الأقباط، كلما وقع صدام من حين لآخر بين مسلمين ومسيحيين.

أما ردي فمنطقه بسيط: ماذا تتوقع ممن يشعر بأنه مستهدف؟ نعم، ظهر بعض الأصوات والتيارات المتطرفة، بل والمتطرفة جداً، ونمت وسط الأقباط، لكن هذه نتائج وليست أسباباً.

ليس لي من محاولة هنا لإثبات ما أزعمه، سوى ما تكشف بعد تنحي مبارك عن السلطة، من تدبير أجهزة أمن النظام السابق لحادث الاعتداء على كنيسة القديسين في الإسكندرية في يناير 2011، لأنه مثال ظاهر وشاخص. لكنني ومثل كثيرين، كنا نملك دوافع الشك منذ فترة طويلة، لأن الصراع كان فيه جانب مفتعل لم يكن ليخفى على عاقل.

سيقودنا هذا إلى تلمس ملمح آخر لشخصية البابا الراحل: ماذا لو كان قد أطلق العنان لانفعالات لا يخلو منها إنسان؟ ماذا لو كان قد استسلم لنزعات تطرف كانت حوله، أو للظلامات اليومية التي تصل إليه، أو الحوادث الكبرى التي واجهها رعاياه..؟ ها قد وصلنا إلى ملمح آخر في شخصية البابا شنودة: كان حكيماً وذا إحساس عال بالمسؤولية. ومن تلك الخصال، لا شك أنه قامة كبيرة من الرجال المحترمين، من ذوي الرؤى من عالم تداعى ويوالي التداعي.