مع صعود التيارات الإسلامية والسلفية إلى سدة الحكم في أكثر من بلد عربي، يشهد الحوار الثقافي بين العرب أنفسهم من جهة، ومع باقي دول العالم من جهة أخرى، نقاشا متوترا. فقد بنى الغرب دولة الحداثة على ثلاث ركائز يصعب الفصل في ما بينها:
الأولى؛ تبني الديمقراطية على المستوى السياسي. فالحداثة السليمة تفضي حتما إلى مجتمعات متعددة القوميات، ومتنوعة الثقافات والاتجاهات السياسية. لكن العيش المشترك مصان بنصوص دستورية تحترم التنوع، والتعددية، وحرية الرأي والرأي الآخر.
الثانية؛ اعتماد الليبرالية على المستوى الاقتصادي. وهي تنطلق من تعددية مصادر الدخل والإنتاج، وفق نظم اقتصادية متنوعة تتوزع بين القطاعين العام والخاص. وقد فشلت تجارب التحديث التي غلّبت أيا من القطاعين على الآخر، أو تمنعت عن رقابة القطاع الخاص، أو وضعت الدولة فوق المجتمع فحولتها إلى سلطة استبدادية تتحكم في الإنتاج والقوى المنتجة في آن واحد.
الثالثة؛ نشر ثقافة التنوع من خلال العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة في جميع مرافق المجتمع والدولة، لبناء نهضة شمولية تطال مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.
نتيجة لذلك شهدت المجتمعات الغربية المتطورة نهضة حقيقية على أساس حداثة معاصرة سليمة، وبالارتكاز إلى ثورات متلاحقة في الصناعة، والمواصلات، والتكنولوجيا، والتعليم، والثقافة، والفنون، وغيرها. وباتت التعددية السكانية مصدر غنى وتنوع ثقافي، لم تستطع القوى التقليدية تجاهله أو الحد من انتشاره على المستوى الكوني. فأضحت الثقافة المبنية على التعددية والتنوع في التاريخ المعاصر، أداة لتوحيد العالم أو عولمته، عبر ثورات علمية متواصلة تدعمها تكنولوجيا متطورة باستمرار. باتت العولمة الثقافية بصيغتها الجديدة، في صلب النظام العالمي الجديد، وهي صيغة متجددة ترمز إلى تفوق المجتمعات المبنية على أساس التنوع والتعددية.
لكنها أضحت، في الوقت نفسه، وثيقة الصلة بالهيمنة، واستخدام التفوق التكنولوجي أداة لقهر المجتمعات التقليدية، وتغيير بعض النظم السياسية والاجتماعية السائدة، طوعا أو قسرا.
على الجانب العربي، ما زالت غالبية الدول العربية أسيرة نظم تسلطية عاجزة عن حماية التنوع والوحدة في داخلها، مما تسبب في إقامة نوع من التضاد السلبي بين المجتمع والدولة. وبعد نجاح الانتفاضات العربية في العام 2011، تبدو المجتمعات العربية اليوم وكأنها على حافة الانفجار من الداخل. فهناك عجز بنيوي واضح في المجال الثقافي، بحيث بات الحفاظ على التعددية والتنوع داخل المجتمعات العربية، مسألة مصيرية يتوقف عليها بناء دولة الانتفاضة.
فالمجتمعات العربية اليوم في أمس الحاجة إلى إصلاحات بنيوية، تساعد على إنجاح التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة في جميع قطاعات الإنتاج، وتتطلب رسم استراتيجية طويلة الأمد لإعادة بناء الدولة العصرية، على أسس ديمقراطية سليمة.
ومن أولى مهماتها إنجاز المصالحة الوطنية الشاملة، لتعزيز ركائز العيش المشترك بما يضمن الاستقرار الداخلي، وحماية السلم الأهلي، ومنع تجدد النزاعات الداخلية. لذلك تتحرك النقابات الطلابية، والعمالية، والمهنية، والثقافية، لمواجهة العنف العسكري، والتشنج الطائفي أو العرقي الذي يؤسس لمزيد من الأزمات الحادة.
ويتزامن هذا التشنج المستشري اليوم، مع أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة، تطال جميع الطوائف والمناطق والفئات الاجتماعية في أكثر من بلد عربي، مما يهدد التعددية السكانية، والعيش المشترك، والتنوع الثقافي في أي بلد عربي متعدد القوميات والطوائف، كما يهدد تماسك المؤسسات الوطنية والعربية الجامعة، ويحد من قدراتها على مواجهة الأزمات الحادة التي تعيشها الدول المنتفضة.
مرد ذلك إلى أن الثقافة العربية السائدة اليوم ضعيفة، ومشاركتها هزيلة في الإنتاج الثقافي على المستوى الكوني. وما زالت الثقافة العربية العقلانية مغيبة لصالح ثقافة سلفية مهيمنة، وهي ثقافة شعبوية بسبب انتشار الأمية على نطاق واسع. وفي حين تبدو غالبية مراكز الأبحاث العربية شبه معطلة، تنشر الجامعات العربية ثقافة التلقين، مع تغييب متعمد للفكر النقدي وللعلوم العصرية. وبعد أن تحول الغرب المعولم إلى مركز استقطاب لرساميل العالم وأدمغته، تم إفراغ الدول العربية من معظم طاقاتها الإبداعية.
وبالتالي، ليس بإمكان دولة الانتفاضات مواجهة ثقافة العولمة ذات التنوع الهائل، إلا بثقافة جديدة تعتمد العلوم العصرية، والتكنولوجيا المتطورة، والإنتاج العلمي، والانفتاح على الثقافات العصرية، وتبني النظم الديمقراطية السليمة لضمان التعددية السكانية، والعيش المشترك، والتنوع الثقافي، والمشاركة الفاعلة في بناء عولمة أكثر إنسانية.
ويستوجب ذلك ضرورة توحد العرب في ظروف موضوعية، تمليها تحديات عصر العولمة والسعي إلى إقامة تكتلات جغراسية واقتصادية وإعلامية وثقافية عملاقة. أما سياسة التجزئة التي فرضت على المجتمع العربي وهددت تاريخ العرب وتراثهم بصورة عنفية، فباتت تهدد تجزئة المجزأ أصلا. ولا يخفى أن هجوم الغرب على البلاد العربية، بلغ حدا مقلقا في السنوات القليلة الماضية. فهو يستخدم كل أشكال التجزئة والتفتيت، ويستغل مشكلات التعددية الدينية والعرقية واللغوية، لإعادة تركيب المنطقة على أسس جديدة، أبرزها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يعطي مكانة مميزة لإسرائيل.
نخلص إلى القول إن من حق الجماعات المحلية أن تبحث عن حقوقها المشروعة في الدول العربية المنتفضة، سعيا إلى المساواة التامة بين جميع مواطنيها في الحقوق والواجبات، وحقهم الطبيعي في احترام لغاتهم، وتراثهم، وعاداتهم، وتقاليدهم.
وحين ترفض المقولات القوموية والإسلاموية المتشنجة بشدة، الاعتراف بالتعددية والتنوع داخل المجتمعات العربية وتعتبرها مدخلا للتدخل الغربي، فإنها تعبر عن عجز فاضح في النظر إليها كركيزة للغنى المادي والتنوع الثقافي. وهناك قوى سلطوية في الدول المنتفضة، تعتبر التعددية والتنوع خطرا داهما يهدد وحدة الجماعة الدينية.
وترفض الاستفادة من تجربة الدول الديمقراطية المتطورة، التي أسست لمساواة حقيقية بين مواطنيها، على اختلاف أصولهم وطوائفهم ولغاتهم، في الحقوق والواجبات. ورغم اقتباسها الكثيف لسلع الغرب، وأدواته، وأشكال القمع لديه، تتخذ مواقف متشنجة تجاه التعددية والتنوع داخل المجتمعات العربية.
ختاما، تسعى العولمة إلى خلق مجتمع كوني لا مكان فيه لقوى الانعزال السكاني، والتقوقع الثقافي والديني. ولا بد من حماية انتفاضات الربيع العربي من مخاطر الانكفاء على الذات تحت ستار الحفاظ على الأصالة.
ويتحمل المثقفون العرب مسؤولية كبيرة تجاه الرأي العام العربي، لتنويره بخطورة هذا المنحى. فثقافة العولمة ليست واحدة، بل متنوعة وغنية، بحيث تبدو المقولات القوموية والإسلاموية الضيقة عاجزة عن مواجهة التعددية والتنوع، التي تشكل ركيزة أساسية في بناء دولة الربيع العربي الذي أسقط أربعة أنظمة استبدادية في عام واحد. وقد تبناها شباب الانتفاضة، لأنها تساهم في تقديم حلول عقلانية وديمقراطية للمجتمعات العربية المنتفضة، بعد أن تم اعتمادها كحجر الزاوية في المجتمعات المتطورة، شرقاً وغرباً.