وككل نفس ذائقة الموت، تغيّب يد المنون بابا العرب، كما أطلق عليه ذات مرة.
يمضي البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، بعد زهاء أربعة عقود قضاها كأب وراع، ممثلا علامة في تاريخ مصر الحديث.
في عهده تجاوزت الكنيسة القبطية الحدود الإقليمية إلى الآفاق العالمية، وانتقل دور الكنيسة كذلك من وراء جدران الكنائس وصوامع الرهبان، إلى المجتمع المصري بكافة مناحيه.
يصعب على المرء أن يتحدث عن البابا شنودة دفعة واحدة، فهو المصري الكاتب والأديب، والشاعر الرقيق، والضابط في الجيش، والراهب فالمؤلف، وهو الرجل الذي خاض غمار معارك طوال داخل الوطن وخارجه، وفي جميعها كان أبا لعموم المصريين، وليس أدل على ذلك من حالة الحزن والوجوم التي لفت المصريين عن بكرة أبيهم؛ مسلمين ومسيحيين.
«مصر ليست وطنا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا».. هكذا تكلم البابا شنودة عن مصر، التي عرفها أول ما عرفها في جارته المسلمة التي أرضعته طفلا صغيرا، بعد أن فارقت والدته الحياة قبل أن يكمل يومه الأربعين.
قبل البابا شنودة كانت الكنيسة القبطية تعيش حالة من المحلية المغرقة، ومع ارتقائه للسدة المرقسية، استطاع بوصفه ممثلا لجيل الرهبان المتعلمين، إثراء الحياة الكنسية المصرية والخروج بها إلى الآفاق الأرحب.
شهد العقد الأول من ولايته صراعا شديدا مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات، قاد إلى عزله بقرار رئاسي، وإن لم يعن ذلك فصله من منصبه الكنسي..
هل كانت إسرائيل هي السبب الرئيس وراء كراهية السادات للبابا شنودة؟
يمكن أن يكون ذلك كذلك بالفعل.. فقبل أن يضحى الرجل بطريركا، وفي ستينات القرن الماضي عندما كان يشغل منصب أسقف التعليم في عهد سلفه البابا كيرلس السادس، ألقى الأنبا شنودة محاضرة في نقابة الصحافيين المصريين، حول إسرائيل وهل يهود اليوم هم شعب الله المختار أم لا؟
وقد أكد على أن العهد مع الشعب العبراني قد انتهى بظهور الأنبياء لاحقا، وأن ما يقولونه اليوم فرية لا مراء.
ومع ذهاب الرئيس السادات إلى القدس ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد، أخذ البابا شنودة موقفا من زيارة الأقباط إلى القدس، إذ رفض أن يدخلها الأقباط منفردين دون إخوانهم المسلمين، وأوقع بالفعل حرومات كنسية حادة وجادة على الذين ذهبوا إلى هناك، وقد كانت وجهة نظره أبدا ودوما أنه لن يدخل القدس بتأشيرة إسرائيلية، في رفض واضح للاحتلال الجاثم على صدر المدينة المقدسة.
كان موقف البابا شنودة مزعجا للسادات الذي راهن على الأقباط كورقة من ضمن أوراق التطبيع مع إسرائيل، لكن الراهب المقاتل أفقده هذه الورقة.
كسب البابا شنودة محبة العالمين العربي والإسلامي، بمواقفه العروبية والمنفتحة على الإسلام، فقد كان رحمه الله على درجة عالية من الثقافة الإسلامية، تجلت في كتبه ومحاضراته وندواته، وفي صداقاته مع كبار المفكرين الإسلاميين مثل الشيخ متولي الشعراوي، الذي عاده مريضا، وكما الأستاذ خالد محمد خالد، وغيرهم من أساطين الفكر الإسلامي.
كان البابا شنودة حائط صد أمام المؤامرات التي أرادت تقسيم مصر وتفتيتها، وفي مواجهة دعاوى الشر التي أرادت دفع الأقباط إلى فكرة الانعزال، وطلب دولة على أساس عرقي أو ديني.
كان يرى في المصريين نسيجا واحدا، بمسلميهم ومسيحييهم. ولعل ما أشار إليه مؤخرا من استحالة انعزال الأقباط في ركن قصي من أركان مصر وإعلان دولة مستقلة لهم، كما روج بعض مراكز الدراسات البحثية الأميركية، يؤكد على وطنية الرجل التي أجمع عليها الجميع، وعلى حضور ذهنه وتوقده..
شجع البابا شنودة مسيرة الحوار بين أتباع الأديان السماوية، واعتبر تلك المسيرة مطلوبة لخدمة الوطن، مع تأكيده على عدم الخوض أو الجدال في الأمور العقائدية اللاهوتية أو الفقهية، أما الأمور المشتركة فقد رأى أنها يمكن أن تكون نقاطا إيمانية واجتماعية وأدبية وقومية ووطنية، مثل الوقوف ضد الإلحاد في إثبات وجود الله، وما يثيره بعض العلماء وبعض الفلاسفة من قضايا ضد الدين عموما.
في مواجهة الفتن الطائفية التي كانت تريد تقسيم صف المصريين، قال البابا شنودة «أنا أريد أن تتعمق المحبة بين المسلمين والمسيحيين، وتزداد رسوخا يوما بعد يوم، وتكون أقوى من الشائعات وأقوى من الشكوك، فالحب الحقيقي ينتصر على كل شيء، والمحبة لا تظن السوء كما ورد في الكتاب المقدس».
وأشار في ذات الموضع، إلى ما ورد في القرآن الكريم «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» (الحجرات: 6).
يرحل البابا شنودة، وللأسف في توقيت حساس ومفصلي لمصر والمصريين، يرحل والدولة تحاول جاهدة أن تقف على قدميها، وانتخابات الرئاسة على الأبواب، ومهما يكن من أمر، فقد كان حضور الراحل بمثابة مانع الصواعق، والأحاديث تدور حول الأقباط وتوجهاتهم في الانتخابات القادمة، وهل سيشكلون جبهة واحدة لدعم مرشح بعينه، أم سينقسمون ككل شيء في مصر مؤخرا؟
يخشى البعض أن يكون رحيل البابا شنودة في هذا التوقيت بمثابة إضعاف مضاعف للجسد المصري، لكن التاريخ المصري يؤكد أن مصر ولاّدة، وأن أجيالا تمضي وأجيال تأتي ومصر هي الباقية.
رحم الله البابا شنودة رحمة واسعة، وألهم المصريين صواب السبيل.