أياً كان المدّعى في الحرب الإسرائيلية المستأنفة على الشعب الفلسطيني، تبقى ثمة حقيقة لا تقبل الجدل، هي التالية: أن العقل الإسرائيلي يعبر الآن منطقة قلقة من الخواء, ولا مناص له فيها من إجراء دموي يعيده إلى شيء من توازنه المهزوز.. على هذه المسلّمة البديهية, التي تحكم العقل الإسرائيلي منذ اليوم الأول لمغامرته الأولى في العام 1948، يتشكل معيار النظر إلى ما يحدث هذه الأيام.

سوف لن نجد أي تفسير للحرب المستأنفة على غزة في امتداد الأسابيع المنصرمة، سوى أن منطق التفكير الإسرائيلي وصل إلى المحل الذي لم يعد فيه قادراً على احتمال التهميش، في منطقة تعيش احتدامات جيو استراتيجية لا نظير لها من قبل.

لم تجد القيادات الإسرائيلية، بأجنحتها العسكرية والسياسية واللاهوتية، سوى خرق جدار التهميش من أجل العثور على دور, ولو بمذبحة فلسطينية تعيد ترتيب التحولات الإقليمية على نشأة جديدة. هذا هو الأساس الذي ينبغي أن ننظر من خلاله إلى اختبارات الموت المتجدد، الذي يمارس ضد أهل غزة.

إنه الهولوكوست مقلوباً.. ولنا أن نقول إن العقل الإسرائيلي وحده، هو الذي يستطيع أن يمنح رحلة الإبادة الجماعية لشعب فلسطين معناها العميق. فعلى أرض غزة اليوم يرتفع هذا المعنى ليبلغ رتبته القصوى.

لكأنَّ الدولة اليهودية وهي تمضي في صناعة الموت الفلسطيني، تريد للسجال التاريخي حول المحرقة أن يستوي على نصاب آخر، غير الذي ألفناه على امتداد عقود خلت من التوظيف الأيديولوجي. فلئن كانت ثقافة التباكي التي نسجتها الصهيونية بإتقان، قد أفلحت بعد الحرب العالمية الثانية في التمهيد لقيام دولة اليهود على أرض فلسطين، فإن ما يراد لتلك الثقافة المستعادة هو إعادة إنتاج الأطروحة الإسرائيلية، ولو على طريقة الهولوكوست المقلوب.

الدوافع الثقافية السايكو استراتيجية هي هي، بين نشوء إسرائيل قبل أكثر ستة عقود، وضرورات ترميم الصدع والخواء الذي تعيشه اليوم.

في الماضي خاطبت الحركة الصهيونية العالم من باب التكفير عن ذنب اقترفه، لكي يجد لليهود ملاذاً آمناً يمضون إليه. وكانت فلسطين هي ذاك الملاذ الذي سيتحول في لحظة مهرَّبة من القرن العشرين، إلى مسرح لمأساة شعب بأكمله.

الآن يستأنف الخطاب الايديولوجي الإسرائيلي سيرته الأولى. ولسوف نسمع من القيادات العسكرية والسياسية والدينية، كثيراً من الذرائع مما تسوغ به المذبحة الجماعية في غزة. يقول الإسرائيليون، «إننا نقوم بعمل دفاعي استراتيجي، ضد خطر لو تفاقم لأصبح الأمن القومي للدولة اليهودية على شفا الانهيار..».

هذا القول ليس جديدا على ثقافة الحروب الإسرائيلية. ولعل الوقائع التاريخية التي شكلت الرسم الإجمالي لخارطة الصراع العربي ـ الصهيوني منذ حرب النكبة، مروراً بحروب 1956 وحرب يونيو 1967، إلى الحروب المتعاقبة على لبنان، إلى ما جرى في فلسطين سحابة ستين عاماً، إنما هي وقائع هجومية انطلقت من لغة الخوف على الوجود والمصير. وبالتالي فهي حروب خيضت تحت الاسم المزعوم لـ«جيش الدفاع الإسرائيلي»، بما هو اسم لا يعدو كونه إحدى ثمرات ثقافة التباكي المشار إليها.

حرب الإبادة التي تشن اليوم على غزة تدخل في السياق إياه، والحجة المعلنة هي صواريخ المقاومة وأمن المستوطنات.

لم يعد الأمر في حاجة إلى مسوِّغ ايديولوجي جديد، لكي يمضي الصهاينة بعيداً في صناعة الهولوكوست الفلسطيني. لكن ما يتوارى خلف بيانات حروب الإبادة، هو في الجوهر حقائق واقعية، لا تنفصل البتة عن زمن إقليمي ودولي شديد التعقيد، في سياق الاحتدام على مصير فلسطين. إنه زمن يراد له أن ينبني على طور مستأنف من أطوار الاشتغال المعاصر على تصفية القضية الفلسطينية.

فالذي يجري الآن في غزة، لا يمكن النظر إليه بمعزل عما سبقه من تحولات مدوية؛ سواء لجهة ما تستدعيه الصورة الرمادية للتحولات العربية، أو لجهة الاختبارات الفاشلة التي منيت بها مؤسسة الحرب الإسرائيلية في غزة عام 2009, وفي الحرب على لبنان في يوليو العام 2006...

قبل ثلاث سنوات قال استراتيجيو الحرب في إسرائيل، إن الحملة على غزة إنما تتغيَّا محو الآثار الكارثية التي لحقت بالمؤسسة العسكرية جراء حرب تموز. حتى أن منهم من ذهب إلى الجهر بمكنونات الخوف الذي يسكن العقل الإسرائيلي، جراء الهزيمة التاريخية المدوية في حرب لبنان.

آنذاك وضع هؤلاء مهمة إخضاع غزة على نصاب الضرورة الاستراتيجية. ومؤدى حجتهم, أنه إذا كان لإسرائيل أن تستعيد عقيدة التفوُّق والغلبة, فعليها أن تخترع المزيد من تقنيات الإبادة الجماعية. تبدو الصورة الآن على غير ما كانت عليه قبل نحو أربعة أعوام، فالمنطق لا يزال هو نفسه حيال التعامل مع غزة، بوصفها ميدان الاختبار الوحيد والممكن للقدرة الإسرائيلية المتداعية.

هنا بالذات، تتكشّف أسباب الاندفاع الانتحاري الإسرائيلي في اتجاه الهولوكوست الفلسطيني. وليس من شك في أن وراء مثل هذا الاندفاع، يمكث خوف مقيم من ضياع الفرصة الأخيرة لاستعادة ما تبقى من عوامل القوة على شن الحروب وتحقيق الانتصارات.

في غزة اليوم طور آخر من الاختبارات الإسرائيلية المسكونة باليأس، والممتلئة كذلك, بالخشية من فقدان القدرة على استعادة المكانة في السياسة والأمن الاستراتيجيين. لكنها اختبارات لن تؤدي في نتائجها وتداعياتها وآثارها على الجملة، إلا إلى انفلات المعادلات من أحكامها، وإلى انعطاف المنطقة بأكملها نحو طور جديد من المواجهات المفتوحة.

الشيء المفارق في ما يجري فوق أرض غزة، هو أن الهولوكوست الإسرائيلي يبدأ هذه المرة من فضاءات الوهن والنكوص، على رغم فظاعته الكبرى.