ضمن نجاحات عديدة أدركتها دولة الإمارات العربية المتحدة منذ استقلالها، يأتي نجاح تجربتها الرائدة في التعايش المشترك لكل أتباع الأديان السماوية، وحتى الشرائع الإنسانية المختلفة.

هذا النجاح لم يكن أبداً في حاجة إلى شهادة من الآخر، ذلك لأنه تجربة حية معاشة، والعين تغنيك عن طلب الأثر أحياناً. على أن شهادة جديدة أضيفت خلال الأيام الماضية، وفي أعقاب اللقاء الذي شهده مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبي، وتناول الحوار الإسلامي المسيحي في عالمنا العربي المعاصر. الشهادة جاءت على لسان القس الدكتور "رياض جرجور"، أمين عام الفريق العربي لـ"الحوار الإسلامي ـ المسيحي"، وخلاصتها: "أن دولة الإمارات العربية المتحدة، وبعد رصد ومتابعة لأوضاع المسيحيين في جميع البلدان العربية، وجدت النموذج الأول في تطبيق المبادئ السامية للحوار والتعايش الإنساني المشترك، حيث المسيحيون متآخون متحابون مع إخوانهم المسلمين في عيش مشترك يحترم كل الآخر".

والحقيقة أن الأمر لا يتوقف عند أصحاب الكتاب وأهل الذمة فقط، فالإمارات مليئة بالآلاف من العمالة الآسيوية، وأصحاب العقائد الوضعية، ولم يسمع أن أحداً منهم جأر بالشكوى من امتهان عقيدة أو ازدراء دين له، غير أن الحديث عن أهل الكتاب في الإمارات أمر له مذاق خاص، وخلفيته تاريخية متميزة. في زمن وضع اللبنات الأولى لانطلاق مسيرة الإمارات الحديثة، كان من حسن طالع الإماراتيين وجود قائد صاحب رؤية إنسانية مستنيرة، وقلب مملوء بالود والمحبة.. كان الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، منارة عالية في الدعوة للتوحد لا للتفرق، وتحت ظل رؤيته الثاقبة، لم يفرق أحد يوماً في الإمارات بين مسلم ومسيحي. ولعل التاريخ يذكر له، رحمه الله، كيف أنه في الوقت الذي تكفل فيه بترميم مسجد عمر في مدينة القدس، عمل أيضاً على ترميم كنيسة المهد، مستلهماً من التاريخ العربي والحضارة الإسلامية أبهى صفحاتها، تلك التي سادت فيها مبادئ التراحم والتسامح بين المسلمين والمسيحيين والديانات الأخرى.

تمضي الإمارات اليوم على خطى المؤسس الذي استبصر أهمية الحوار، وكيف أنه بين أتباع الأديان على نحو خاص يمثل غنى للمجتمعات البشرية، من خلال مؤمنين قادرين، في ظل احترام الاختلافات في ما بينهم، على الاستماع وتقدير ما هو جيد وجميل في الآخرين.

لقد أضحى الإماراتيون، بسعيهم خلف راية المؤسس الراحل "رسلاً للرجاء في العالم العربي المشتعل، يؤكدون أنه من الممكن أن نعيش معاً، وأن نعمل سوياً، وأن نعيد للحضارة العربية صفحة من وجهها البراق، شارك في صناعتها مسيحيون ويهود وغير موحدين أحياناً".

نجحت الإمارات في واقع الأمر، ليس فقط في تقديم نموذج للتعايش والتآخي بين أتباع الأديان على النحو الذي شهدناه، بل إن نجاحها الأكبر حدث في قدرتها على تقديم نموذج من العلمانية الإيجابية، التي لا ترى الدين بوصفه جموداً وموروثات، بل التي تهتم بأن تبقى الأديان منارة زاهية بغير تعصب، نبراساً هادياً من دون رجعية أو أصولية.

لماذا نجح حوار التعايش في الإمارات وأخفق في غيرها من البلدان العربية؟

الناظر إلى التجربة الإماراتية يستطيع أن يلحظ حالة التضامن مع الآخر، لا النظر إليه عبر الشك والتخوين، وهي نتاج نظرة ملؤها الاحترام الكامل، والتحرر من ثقل الأحكام المسبقة أو التصورات عن الآخرين، التي يتناقلها الذهن الشعبي بطريقة غير واعية، من جيل إلى جيل.

لم تدع تجربة الإمارات الحضارية إلى توفيقية ما، أي محاولة خلق عقيدة أو مذهب من عقائد دينية مختلفة SYNCRETISM، كما أنها لم تسع إلى سيادة نسبية، أي مساومة على بعض الحقائق الإيمانية REALTIVISM، بل أبرزت على الأرض وفي الواقع حقائق إيمان المتحاورين، على المستوى المعاش أكثر منه على المستوى النظري، وبات الحوار في الإمارات مناسبة تعمق فيها المتحاورون في معنى إيمانهم وفي إخلاصهم له، عبر العمل المشترك البناء، ومن هنا كان النجاح الاقتصادي مرادفاً لنجاح الحوار والتعايش المشترك.

أما عن الإعلام والتعليم في الإمارات فحدث ولا حرج، فالأول المحلي والأجنبي المقيم، يتسق وشرعة حقوق الإنسان وما فيها من حقوق لاحترام العقيدة وللرأي، والثاني يؤكد على أن الأديان لا تشكل تهديداً، بل هي موارد تساهم في تطوير الحضارة، وهذا لخير الجميع.

يهاجر المسيحيون العرب من أوطانهم أخيراً تحت دوافع الخوف والقلق من المستقبل، وتفتح الإمارات ذراعيها للجميع، عبر ثلاثية الإخاء والمساواة والحرية، ولذلك تبقى تجربتها رائدة تصد عنها غوائل مؤامرات الخارج، ودسائس الكائدين من الجوار.. وتأتي شهادة القس جرجور لتؤكد على أن رصيد الإمارات الأغنى من الذهب والفضة، هو الإنسان، الذي هو القضية وهو الحل.