شاهد ضحك تأتي تسميته على وزن شاهد ملك الواردة في القانون المصري، وهو ذلك الشاهد الذي يدلي بالحقيقة إرشاداً إلى جريمة واقعة ليخفف عن نفسه العقوبة أو ليُعفى منها ، أو لإثبات انتفاء مسؤوليته، أو أنها تأتي على غرار شاهد عيان وهو أيضاً ذاك الشخص الذي رأى بأم عينيه حقيقة واقعة معينة يدلي بها إثباتاً لجريمة معينة. وفي كل الأحوال فسواء كان هذا الشاهد على غرار أو وزن هذين الشاهدين شاهد الملك أو شاهد العيان، فقد أوجدت الصدفة البحتة هذا الشاهد الجديد والذي أسميته مجتهداً "شاهد ضحك".

وشاهد الضحك هذا الذي أوجدته مخيلتي أو واقعي الشخصي لا يختلف عن مهرج سيرك يتنطط من حبل إلى حبل بحركات بهلوانية خطيرة في حقيقتها، ولكنها مضحكة لغيره في شكلها ومضمونها، فلقد استغل عدد من الناس من ضعاف النفوس بعض قنوات الإعلام الخاصة الباحثة عن مادة تملأ بها فراغها الزمني، وذلك بقصد أو دون قصد، أو بنية مبيتة لإثارة الفتنة أو من غير نية ،لتستضيف شخصيات معينة لتدلي بشهادتها للتاريخ كما تزعم وتدعي، وهذه الشهادة لا تخرج في مضمونها عن استعراض بطل اللقاء لعضلاته، كون أنه قد كان أحد المسؤولين في النظام السابق.

ولكنه كان معارضاً من الدرجة الأولى دون أن يقيد في سجل المعارضين، فهو موظف حكومي ذو مركز مرموق، كان يبدي ويظهر المخالفات والسرقات والتجاوزات خلال سنين عمله وغيرها على مسؤوليه فقد قام بعرض هذه المخالفات على الوزير الفلاني، بل وصل به الحال للاجتماع برئيس الوزراء لأكثر من مرة، وبأقل تقدير فقد تحدث للنائب العلاني الذي أوصاه بعدم التدخل في هذه الشؤون السياسية الداخلية التي يغيب عن فهمه إدراكها، وعلى كل الأحوال فهذه الزمرة من البشر كانت "شلة حرامية" وهو الشريف الوحيد بينهم، لذلك فقد عملت هذه "الحثالة" وفق رأيه وأجمعت أمرها بليل لاغتياله كي يتفرق دمه بين القبائل، ومن ثم فلا يستحق قاتلوه العقوبة، ولا تكون له دية تعوض أهله فراقهم إياه، إلا أن مسعى هؤلاء المجرمين قد باء بالفشل لأن الله نجاه من الموت بأعجوبة .

في هذه اللحظات ترى مقدم البرنامج يشدق فاه، ويرفع حاجبيه، وتجحظ عيناه وكأنه سمكة أخرجت من الماء، وذلك من هول ما سمع من مواقف تعرض لها هذا الشخص المسكين، ناسياً أو متناسياً أن المشاهدين أو المتابعين على علم ودراية بما يجري خلف الكواليس قبل بداية التصوير من تبادل للحوار بين الضيف والمضيف أو والتنسيق المسبق الذي جمعهما قبل التصوير، أو من باب تبادل الحديث قبل الظهور على الشاشة، وإلا ما كان قد استضافه من أساسه وما أرشده إليه طاقم معدي البرنامج، فلماذا كم هذا الإستعجاب والاستغراب من مقدم البرنامج، هل هو لاستثارة الرأي العام، أم هو أمر مكنونه في بطن صاحبنا؟

في جميع الأحوال فإن ما نراه ونتابعه هذه الأيام على الفضائيات بات وجبة طعام فاسدة لأنها مكررة، وصار لها زمن قد ركنت دون أن يأكلها أو يهضمها أحد، فالطبيخ "البايت" تظهر رائحته وقباحته ومفسدته قبل تجربته، فلا يقبل عليه إلا جائع طامع أو ماكر حاقد، يصل به الحال أن يحقد على نفسه فيضر نفسه قبل غيره.

كان هذا نوع من شهود الضحك، أما الشاهد الآخر للضحك فهو ما نراه في ذات الفضائيات من تباري الشخصيات المرموقة للظهور على الشاشة، وآخرها بعض السادة القضاة في مصر، ففي ظل التطورات الأخيرة حول الأشخاص الأمريكيون المتهمون في قضية التمويل من خلال جمعيات ومنظمات غير مرخصة في مصر، وبغض النظر عن صحة التصرف القضائي بإصدار الأمر بالإفراج عنهم والسماح لهم بالسفر من عدمه، فإن مناط النقاش فيه ليست الساحة الإعلامية، ولكنها ساحة القضاء بدرجاتها لذلك عملت الدول على فرض درجات التقاضي وطرق الطعن على الأحكام والقرارات.

أما أن يتسابق بعض القضاة للظهور على الشاشة التلفزيونية لاتهام زميل لهم صراحة وعلناً، فهو ما يدين هؤلاء القضاة ممن تسابق في الظهور على الشاشة أكثر ممن أصدر حكماً أو قراراً خاطئاً إن كان قد أخطأ، لأن الطعن في الأحكام علانية والتقليل في حكم المحكمة له عقوبات جنائية مقررة وفق الأحكام المنظمة له. فإن كان خطأ القاضي الذي تصدى للطلب بالسماح للمتهمين بالسفر مستتراً لا نعرفه بعد لأنه بضمير صاحبه، إلا أن خطأ القضاة الذين ظهروا على الشاشة بات واضحاً وجلياً للعيان وكنا عليه من الشاهدين وعلى أنهم شهود ضحك من نوع جديد.

جدير بالذكر كما يروي لي الأخ العزيزُ الأستاذ الفاضل عاطف سليمان الكاتب المصري المعروف بمؤسسة أخبار اليوم أنه في أواخر السبعينيات من القرن الماضي كان معداً لبرنامج يقدمه الفنان سمير صبري، واستضاف في إحدى حلقاته أحد القضاة في ذلك الوقت لعرض مجموعة أعماله الكتابية، فقامت الدنيا ولم تقعد بأن استدعى وزير العدل في وقتها هذا المستشار وأحاله للتحقيق وأصدر عقوبة تأديبية بحقه لظهوره على التلفاز دون إذن الوزارة، حيث تنص مواد قانون السلطة القضائية على ذلك. وكذلك التعليمات الوزارية المنظمة لأعمال القضاة وذلك بهدف عدم الإنتقاص من أعمال وقدر القضاة .

أما اليوم فأصبح ظهور بعض القضاة موضة جديدة للاستخفاف بقدرهم وليكونوا محلاً للجدل والمجادلة، وإنني في هذا المقام استغل الفرصة لأتوجه للأخوة المسؤولين بأطيافهم في الشقيقة مصر لأقول إن مقومات الحفاظ على أي بلد هي العدل والأمن والحدود، فقد حاولت المخططات زعزعة الأمن في مصر فجعل الله كيدهم في نحورهم، ثم حاولت الإيقاع بين المحامين والقضاة في الوقائع الأخيرة التي نشبت بينهم وأخرجت كلا منهم عن حدود سيطرته، ثم توجهت بمعاولها لوزارة الدفاع والمجلس العسكري كي تشكك في أمانتها وحرصها على الحفاظ على مقومات الدولة، وها هي تعود هذه المخططات مرة أخرى لتوقع القضاء في خطأ ظاهر بزعم عدم الثقة في القضاء وإثارة الفتن، فوجب من العقلاء وهم كثر في مصر الشقيقة إيقاف الأمور عن حدها والتزام نصابها حتى لا تتحقق أماني أعدائها بالإسقاط بها .حفظ الله بلاد المسلمين وأدام لها الأمن والأمان.