وصف ريك سانتورم الرئيس الأميركي باراك أوباما بــ«المتكبر» لرغبته في حصول جميع الأميركيين على تعليم جامعي. (في الحقيقة، فإن أوباما لم يناد قط بتعليم جامعي شامل، وإنما بمجرد عام أو أكثر من التدريب بعد المرحلة الثانوية). ولا ينبغي لسانتورم أن يشعر بالقلق. فأميركا بالفعل تصعب الالتحاق بالكلية على الشباب ذوي الإمكانيات المتواضعة. ومؤسسات التعليم العالي العامة تتعرض للتجويع، وبالتالي فإن الطبقة الوسطى ستتقلص بدرجة أكبر.

خلال العام الماضي، عمدت 41 ولاية إلى خفض إنفاقها على مؤسسات التعليم العالي العامة. وجاء ذلك بعد سلسلة من التخفيضات الكبرى التي شهدها عاما 2009 و2010.

وهذا الخفض يعني ارتفاع الأقساط الجامعية والرسوم الأخرى. ووصل متوسط الارتفاع خلال العام الجاري إلى 8,3 في المئة. إذ ارتفعت الأقساط في جامعة ولاية نيويورك بنسبة 14 في المئة، وفي جامعة أريزونا بنسبة 17 في المئة، وفي جامعة واشنطن بنسبة 16 في المئة. فيما يواجه الطلاب في الجامعات والكليات العامة بكاليفورنيا زيادة يصل متوسطها إلى 21 في المئة، وهي أعلى نسبة على مستوى أميركا. وأبناء الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل هم الأكثر تضرراً. فلا ينبغي أن ننسى أن متوسط الأجور يواصل انخفاضه منذ عام 2000، مع الأخذ في الاعتبار بنسبة التضخم.

وتواصل منح «بيل» المخصصة للطلاب من عائلات فقيرة انخفاضها، وهي لا تغطي حاليا سوى ما يقرب من ثلث الأقساط والرسوم. ونتيجة لذلك، فإن ديون الطلاب ترتفع بشكل صاروخي، إذ يقدر البنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك قيمتها بــ867 مليار دولار. وتحتم قوانين العقوبات سداد القروض الطلابية، ويعد إسقاطها في حالة الإفلاس أمراً شبه مستحيل. وهي لا تسقط بالتقادم.

ومع ذلك، وعلى الرغم من طريقة تفكير سانتورم، فإن شهادة جامعية تستغرق أربع سنوات تمثل الخط الفاصل بين الثلث الأعلى من الأميركيين ممن نجوا بسهولة كبيرة من الانكماش، وبين الثلثين الأسفلين اللذين لم يزالا غارقين فيه. حيث يصل معدل البطالة بين خريجي الجامعات إلى أقل من 5% بقليل على الصعيد الوطني، فيما يزيد هذا المعدل على 9% بين غير الحاصلين على شهادات جامعية. ومن جهة أخرى، فإن متوسط الأجر السنوي لحاملي شهادة البكالوريوس يزيد بنسبة 70% على ذلك الذي يحصل عليه حاملو شهادة الثانوية، وفقا لبيانات التعداد الأخيرة. ويساهم العولمة والتغير التكنولوجي السريع في تعزيز أهمية القدرة على تحديد المشكلات الجديدة وحلها، وهي المهارة التي يتم شحذها في الجامعة. والشهادة الجامعية تخبر أرباب العمل المحتملين بأن الموظف الشاب لديه ما يلزم لتحقيق النجاح.

ولكن التعليم العالي العام ليس مجرد استثمار خاص. وإنما مصلحة عامة. فشبابنا، بقدرتهم على التفكير والفهم والبحث والابتكار، هم مستقبل أميركا. لقد كنا ندرك هذه الحقيقة. فخلال التوسع الكبير في التعليم العالي العام في الفترة ما بين خمسينات وسبعينات القرن الماضي، بلغ متوسط أقساط الجامعات الحكومية نحو 4 في المئة من متوسط دخل الأسرة (مقارنة بنحو 20 في المئة في حالة الجامعات الخاصة).

وحصل الشباب الأميركيون على شهادات جامعية بأعداد قياسية، وهو ما نجم عنه لفيف من العلماء والمهندسين والمديرين والمهنيين الذي دفعوا الاقتصاد إلى الأمام ووسعوا رقعة الطبقة الوسطى بشكل كبير. ولكن بدءا من ثمانينات القرن الماضي، كما حدث في نواح أخرى عديدة من الحياة الأميركية، سلكنا منعطفاً عكسياً. إذ بدأت أقساط الجامعات الحكومية في الصعود. وبحلول عام 2005، وصلت إلى أكثر من 10% من متوسط دخل الأسرة السنوي. وهي تقترب الآن من 25%، وهو ارتفاع يكفي لثني الكثير من الشباب المؤهلين عن الالتحاق بالجامعة.

ولطالما كان التعليم العالي العام بمثابة بوابة إلى الطبقة الوسطى، ولكن تلك البوابة آخذة في الانغلاق، في الوقت الذي تتركز الدخول والثروات في القمة كما لم يحدث منذ عشرينات القرن الماضي، والذي تحتاج فيه أميركا إلى قدرات شبابها العقلية أكثر من أي وقت مضى.

ما هو الحل؟ يكمن الحل جزئياً في جعل الجامعات العامة أكثر كفاءة. فكل مؤسسة حكومية عملت لديها (وقد عملت لدى عدد من المؤسسات الحكومية الكبرى) لديها فائض من الموظفين يمكن الاستغناء عنه. ومع ذلك، فإن الجامعات هي بالضرورة مؤسسات كثيفة العمالة، إذ لا يمكن إيكال مهمتي البحث والتدريس إلى مصادر خارجية أو أدوات آلية محوسبة. وجزء آخر من الحل هو أن يتم رفع الأقساط والرسوم على الطلاب القادمين من الأسر عالية الدخل، واستخدام الأموال الإضافية لدعم أبناء الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل. وحتى في الوقت الحالي، يدفع عدد قليل منهم نسبيا الأقساط الرسمية، ويحصل العديد منهم على خصم يتناسب مع دخل الأسرة. ولكن هذا لن يحل المشكلة الأساسية.

ويتمثل جزء كبير من الحل في تعزيز الدعم الحكومي للتعليم العام على جميع المستويات. وهذا يتطلب المزيد من عائدات الضرائب، لاسيما من الأميركيين الأقدر على الدفع. لا يزال معظم الأميركيين يؤمنون بمبدأ تكافؤ الفرص. ومعظمهم يتبنى الفكرة الوطنية القائلة بأننا مسؤولون عن بعضنا البعض بوصفنا أعضاء في المجتمع نفسه.

وكلا المبدأين يؤدي إلى استنتاج واضح، وهو أن أغنى مواطني أميركا مطالبون بدفع المزيد من الضرائب لكي يتمكن أبناء الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل من تحقيق النجاح في الولايات المتحدة.

ومن شأن مبادرة وشيكة في كاليفورنيا أن ترفع الضرائب على أصحاب الملايين، وتستخدم العائدات لتمويل التعليم العام على جميع المستويات. تلك فكرة جيدة، وقد جاءت في الوقت المناسب. وينبغي للولايات الأخرى أن تحذو حذوها.