كلما تابعت ما يجري هذه الأيام في حملة انتخابات الرئاسة في أميركا، تذكرت التعبير الذي أطلقه الأميركيون أثناء انتخابات 2000 الرئاسية على آل غور، مرشح الحزب الديمقراطي وقتها أمام بوش الابن الجمهوري. ففي ذلك العام، أطلق الأميركيون على آل غور وصف "المرشح الخشبي".
فانتخابات 2000 انطلقت في أوج الإنجازات التي كان كلينتون ـ ومعه آل غور نائبا للرئيس ـ قد حققها. فكلينتون خلال سنوات حكمه الثماني، استطاع أن يحول عجز الموازنة إلى فائض ضخم، ونجح في تعديل الكثير من السياسات التي جعلته يترك الحكم وهو يتمتع بشعبية كبيرة. كانت الفرصة سانحة إذن، لأي مرشح ديمقراطي، خصوصا إذا كان آل غور الذي كان نائبا لكلينتون، أن يستثمر تلك الإنجازات للفوز بالرئاسة بسهولة.
لكن آل غور، رغم أن برنامجه كان أفضل بكثير من منافسه جورج بوش الابن، إلا أنه لم يفلح أبدا في التواصل مع الناخبين. فقد كان على سبيل المثال نادر الابتسام، ولم يشعر الناخبون أبدا أنه يشاركهم أحلامهم وآلامهم ويشعر بها. باختصار؛ كان آل غور مرشحا "خشبيا"، لأنه لم ينجح في التواصل مع الناس وإلهامهم، فكانت النتيجة هامشا بسيطا بينه وبين بوش في الأصوات، أدى لما أدى إليه من لجوء للمحاكم انتهى بتولي بوش.
أتذكر كل ذلك وأنا أتابع المرشح الجمهوري ميت رومني، الذي يبدو الأقرب للفوز بترشيح الحزب الجمهوري، ولكنه لم يحسم المعركة بعد. ففي يوم الثلاثاء السوبر، الذي يطلق عليه هذا الاسم لأن عشر ولايات دفعة واحدة تعقد انتخاباتها في اليوم نفسه، فاز رومني في ست من الولايات العشر، لكنه سيتلقى على الأرجح طوال الشهر الحالي عددا من الهزائم الموجعة.
والمشكلة الحقيقية التي يعاني منها ميت رومني، هي أنه قد يحصل بالفعل على ترشيح الحزب الجمهوري، ولكنه لم ينجح في التواصل مع ناخبي الحزب، وهي مسألة بالغة الأهمية حين ينافس أوباما في حملة الخريف.
فرومني الذي رشح نفسه للرئاسة مرتين على التوالي، أي في 2008 ثم العام الحالي، لم ينجح حتى الآن في إقناع الناخبين الجمهوريين، بل وقيادات الحزب، بأنه يمثل رؤاهم أو أنه الأجدر بالحصول على ترشيح الحزب. وهو يدير معركته ضد منافسيه الجمهوريين، ليس عبر التواصل مع الناس وتقديم رؤية ملهمة، وإنما عبر شن حملة إعلامية ضخمة، بملايين الدولارات، تقوم على الهجوم على منافسيه وإبراز نقاط ضعفهم. ورومني، مثله مثل آل غور من قبله، لا يتمتع بملكات التواصل مع الناس، التي امتلكها كلينتون وريغان ويمتلكها أوباما أيضا.
ويبدو أن العاملين في حملة رومني، لهم من "الخشبية" نصيب، فقد صرح أحدهم مؤخرا بأن هذه الانتخابات ليست عن حب المرشح أو كراهيته، وإنما هي عن حسابات الخريطة الانتخابية وأعداد المندوبين الذين يحصل عليهم كل مرشح. وهو تصريح نادرا ما تجد مثله في الحملات الانتخابية، وكثيرا ما يدلي رومني بتصريحات تعكس انفصاله الكامل عما تعانيه الأغلبية من الأميركيين. فرومني المعروف بثرائه الفاحش، تحدث في أحد لقاءاته الانتخابية عن "السيارتين الكاديلاك" اللتين تتبادل زوجته استعمالهما. وفي حوار إعلامي مؤخرا، كرر أكثر من مرة أنه "ليس معنيا بالأميركيين الأكثر فقرا"، حيث إن اهتمامه كله منصب على تحسين أوضاع الطبقة الوسطى.
لكن حال رومني في 2012، أسوأ بكثير من حال آل غور في عام 2000. فالمشكلات التي يعاني منها رومني أكثر خطورة، وبعضها ليس هو مسؤولا عنه بالمناسبة. فالحزب الجمهوري الذي يسعى رومني للحصول على ترشيحه، تهيمن عليه الآن تيارات مفرطة في يمينيتها، لا تثق في رومني ولا تعتبره معبرا عنها. فلا حركة حفل الشاي تؤيده، ولا اليمين الديني يثق به. وهما يفضلان ريك سانتوروم الأكثر يمينية، خصوصا في القضايا الاجتماعية. ورغم أن سانتوروم، بل وغينغريتش ـ المنافس الآخر لرومني ـ يدينان بالكاثوليكية، إلا أن اليمين الديني (البروتستانتي) يفضل أيا منهما على رومني الذي يدين بالمورمونية.
لكن مشكلة رومني الحقيقية هي ولايات الجنوب. فالبيض المحافظون الذين يقطنون ولايات الجنوب، خصوصا من العمال، لا يثقون في رومني ولا يميلون له. والحقيقة أن ولايات الجنوب هي معقل الحزب الجمهوري، وتبدأ القصة في الستينات من القرن العشرين. وقتها انطلقت حركة الحقوق المدنية التي أنهت التمييز القانوني ضد السود والأقليات عموما، وصدر في عهد جونسون (الديمقراطي) قانون الحقوق المدنية، وتم إقرار سلسلة من القوانين التي مثلت مكتسبات للأقليات التي طالما عانت من التهميش.
عندئذ، استطاع الحزب الجمهوري أن يقنع البيض المحافظين، خصوصا الذين يقطنون ولايات الجنوب، بأن الحزب الديمقراطي قد ذهب بعيدا نحو دعم الأقليات على حسابهم، وأن كل تلك المكتسبات تخصم من مزاياهم. وقد نجح الجمهوريون مع الوقت، من خلال تلك الرسالة، في تحويل ولايات الجنوب من منطقة هيمنة شبه كاملة للديمقراطيين، إلى معقل للحزب الجمهوري.
وبحسابات المندوبين التي يتحدث عنها القائمون على حملة رومني، فقد ينجح الرجل بالفعل في الفوز بترشيح الحزب الجمهوري استعدادا لمنافسة أوباما في الخريف، لكن رومني سيدخل المعركة النهائية ضد أوباما وعنده نقطتا ضعف لا يستهان بهما. أولاهما الجنوب، إذ يستحيل على أي مرشح جمهوري أن يفوز بالرئاسة دون الفوز في ولايات الجنوب. أما نقطة الضعف الثانية والمرتبطة ارتباطا وثيقا بالأولى، فهي أن رومني فشل في إلهاب مشاعر ناخبي الحزب الجمهوري عموما. وهو ما يعني أن الناخبين الجمهوريين الأكثر ولاء للحزب، لن يكون لديهم الحماس الكافي، الأمر الذي قد يعني إحجامهم عن التصويت أصلا، مما قد يؤدي لفوز أوباما.