يعقد خلال هذا الأسبوع المؤتمر القطري الحادي عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، في دورة انعقاد عادية تأخرت سنتين عن موعدها الطبيعي، حسب النظام الداخلي للحزب الذي يقضي بعقد المؤتمر القطري كل خمس سنوات. وكان آخر مؤتمر عقد عام 2005.
كانت للمؤتمر القطري صلاحيات نظرية واسعة جداً قبل تعديل الدستور السوري الشهر الماضي، الذي كان ينص على أن حزب البعث هو القائد للسلطة والمجتمع, فمن صلاحياته وضع السياسة العامة للبلاد للسنوات الخمس التالية بما فيها السياسات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والإدارية, والخطط الخمسية للدولة, والتوجهات السياسية العامة وكل ما يتعلق بمسيرة الدولة والمجتمع بين مؤتمرين, فضلاً عن انتخاب القيادة القطرية، ولا يعرف الآن ماذا سيقرر المؤتمر الحادي عشر تجاه هذه الصلاحيات التي لم تعد منوطة به.
إن صلاحيات المؤتمر الواسعة هذه، لم يكن معمولاً بها في الواقع، لأنه لم يعد للمؤتمر ولا للقيادة منذ تولي الرئيس الراحل حافظ الأسد السلطة الفرصة لممارسة صلاحياتهما إلا شكلياً وحسب رغبة الرئيس المسبقة، كما لم يعد لهما الحرية في اتخاذ القرارات التي يريدانها، وأصبح تنفيذ قرارات المؤتمر أمراً غير ملزم عملياً.
واستمر هذا التقليد في عهد الرئيس بشار الأسد, وذلك لأن الرئيس يقبض على كل شيء في إدارة الدولة السورية، وله صلاحيات غير محدودة في مختلف المجالات بما فيها إصدار التشريعات ، وكان المؤتمر خلال الأربعين عاماً الماضية خيمة لشرعية السلطة لا أكثر ولا أقل.
فمثلاً اتخذ المؤتمر القطري العاشر السابق الذي عقد عام 2005 قرارات في غاية الأهمية، كان من شأنها لو نفذت سد الذرائع، وقطع الطريق على ثورة السوريين الحالية واحتجاجاتهم التي انطلقت بعد ست سنوات من انعقاد المؤتمر، فقد أقر المؤتمر في ذلك الوقت إلغاء قانون الطوارئ أو تعديله، ووضع خطة لمكافحة الفساد.
وإصدار قوانين جديدة للأحزاب وللمطبوعات، وإعادة النظر ببعض مواد الدستور وبقانون الانتخابات، وعدم الإصرار على إنجاح قوائم الحزب والجبهة الوطنية في كل انتخابات سواء كانت نيابية أم إدارة محلية، هذا فضلاً عن قراره الشهير بتبني سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي.
وفي الخلاصة قرر المؤتمر وضع أسس لمرحلة جديدة تشرك الناس جزئياً في السلطة والثروة، كما كان من المأمول أن تتطور هذه القرارات وتحدث انفتاحاً أكثر، وديمقراطية أكثر، وتحترم حريات الناس ومصالحهم.
مع الأسف الشديد، لم ينفذ أي قرار من قرارات المؤتمر، ومازالت غامضة أسباب الالتفاف عليها أو معرفة الجهات أو الأشخاص الذين عطلوا تنفيذها، رغم الوعود الكبيرة والكثيرة التي وعد بها الرئيس بتنفيذ هذه القرارات وبقي الحال في الواقع .
كما هو الحال، أي بقيت الأحكام العرفية وتحكم الأمن برقاب الناس ومصالحهم وحرياتهم وحياتهم، وهيمنته على السلطة والدولة، حتى تجاوز عدد المهن الخاصة والعامة التي تحتاج لموافقة أمنية (113) مهنة بما فيها فتح محل للحلاقة أو العمل في كشك بيع الصحف والسجائر، وصولاً إلى العمل في مؤسسات الدولة، ومروراً بالموافقة على حفلات الزواج.
وفي الوقت نفسه بقيت أساليب الانتخابات والتداخل بين السلطات والتضييق على الحريات العامة والحريات الصحفية والإعلامية ومنع تأسيس الأحزاب والتجمعات ومنظمات المجتمع المدني وغيرها كما كانت قبل المؤتمر، وكأن المؤتمر لم يقرر شيئاً تجاهها، باستثناء قرار واحد نفذ بكامله تنفيذاً مخالفاً لفهم المؤتمر له وهو قرار اقتصاد السوق الاجتماعي، فقد نفذ بدون الاجتماعي.
وساد اقتصاد السوق الحياة الاقتصادية السورية، مما فتح الأبواب للاستيراد بدون حدود، وعملياً رفعت الحماية عن الصناعات السورية وأطلقت الأسعار، وتعزز الاحتكار، مما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة وارتفاع الأسعار والقضاء نهائياً عن بقايا الطبقة الوسطى.
وزيادة ثروات الأغنياء الجدد، وتراجعت مؤسسات القطاع العام التي كانت تحل مشاكل عديدة للطبقات الدنيا السورية ولفقرائها، وتسد الحد الأدنى من حاجاتها. وفي الحالات كلها بقيت الأمور بعد المؤتمر العاشر وحتى الآن كما كانت قبله، بل تراكمت الصعوبات أمام النظام والدولة والشعب.
وزاد هذا التراكم فخلق شروطاً موضوعية لشكوى الناس، ثم نقدهم للسياسات العامة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فضلاً عن نقدهم للسلطة، مما أدى في النهاية إلى انطلاق الانتفاضة الشعبية في منتصف مارس الماضي، التي ربما كان بالإمكان أن لا تحدث لو نفذت السلطة مقررات المؤتمر العاشر التي كانت يمكن أن تشكل في الواقع الخطوة الأولى على طريق الإصلاح.
يعتقد كثيرون من المراقبين في سوريا أن المؤتمر الحادي عشر سيعيد إقرار مقررات المؤتمر العاشر، بالإضافة إلى مقررات أخرى تتعلق بالأزمة السورية الحالية وبرؤية السلطة والحزب لأسلوب حلها، وطرق مواجهة الحراك الشعبي الجماهيري، وهذا ربما يقتضي سياسة داخلية جديدة، وكذلك سياسة عربية وإقليمية ودولية، بعد التطورات العاصفة التي أحاطت بالداخل السوري وبعلاقات السلطة السياسية السورية بالدول العربية والأجنبية.
كما من المتوقع تشكيل حكومة جديدة بعد انتهاء المؤتمر، وقد أشار الرئيس الأسد بخطابه قبل أسبوعين إلى أن هذه الحكومة ستضم وزراء من المعارضة كخطوة في طريق التغيير.
إلا أن تيارات المعارضة الرئيسية صرحت بأنها لن تشارك في أية حكومة. لأن الإصلاح بنظرها هو التغيير الجدي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وليس في تعيين وزراء من المعارضة، وترى أن إصلاح النظام لا يكون بزيادة عدد الوزراء المعارضين وإنما بإعادة النظر بالبنية العامة لسياسات النظام في مختلف جوانب الحياة.