بدأت سوريا تتعرض منذ سقوط النظام العراقي السابق إلى ضغوطات كبيرة من قبل الولايات المتحدة لإجبارها على الإذعان لسياساتها في المنطقة. وقد استلمت أولى رسائل التهديد في أكتوبر من عام 2003 حين أقر مجلس النواب الأميركي «قانون محاسبة سوريا» بأغلبية ساحقة، حيث أيده 398 عضوا وعارضه 5 أعضاء فقط في مؤشر قوي على مدى كراهية هذا المجلس للنظام السوري.

فوفق ذلك القانون منحت الولايات المتحدة لنفسها الحق بمحاسبة سوريا على تهم عديدة منها دعم الإرهاب وانتهاج سياسات تقلق أمنها وتهدد مصالحها في منطقة الشرق الأوسط. وقد أعاد صدور ذلك القانون إلى الأذهان، في حينه، قانون تحرير العراق الذي أصدره المجلس نفسه عام 1998 والذي ترتب عليه لاحقاً احتلال العراق وإسقاط النظام السابق.

والآن وبعد مرور سنة على انتفاضة الشارع السوري المطالب بالإصلاحات وبعد سقوط ما يزيد على سبعة آلاف قتيل في عدد من المدن السورية وأضعاف هذا العدد من الجرحى، وبعد أن فشلت الأسرة الدولية في التوافق على حل ينقذ سوريا من حمام الدم بسبب الفيتو الروسي - الصيني المزدوج في مجلس الأمن الدولي، تُطرح التساؤلات حول البدائل المتوافرة للخروج من مأزق عجز الأسرة الدولية عن حماية المدنيين في سوريا من قمع السلطة الذي أدانه الأمين العام للأمم المتحدة بأقسى العبارات بعد سقوط مركز قيادة الثائرين في حي بابا عمرو في حمص.

الإصلاحات التي جاء بها النظام عبر الدستور الجديد الذي جرى استفتاء بشأنه، رفضتها فصائل المعارضة السورية واعتبرتها غير ذات قيمة فهي تكرس ما هو قائم. وهذا الرفض رسالة لكل من روسيا والصين اللتان تبرران حمايتهما للنظام السوري بوجود رغبة حقيقية لديه للقيام بالإصلاحات.

ورغم إجماع معظم دول العالم على إدانة العمليات القمعية للنظام السوري كما اتضح في قرار الإدانة الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في السادس عشر من فبراير المنصرم حيث ساند القرار 137 دولة وعارضته 12 دولة فإن ذلك لن يسمح بالتقدم خطوة واحدة نحو حماية المدنيين.

وفي سياق مكمل لم يستطع مؤتمر أصدقاء سوريا الذي انعقد في تونس في الرابع والعشرين من فبراير المنصرم سوى رفع سقف الضغوطات الدولية على النظام السوري. لا شك أن الولايات المتحدة التي وضعت نظام الرئيس الأسد في قفص الاتهام منذ عام 2003 تجد في ثورة الشارع السوري فرصة نادرة للإطاحة به بعد أن أضافت إلى الاتهامات السابقة اتهامات أخرى جديدة أكثر خطورة تشمل الإبادة الجماعية.

إذ لم تتردد وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في شهادتها أمام لجنة المخصصات بمجلس الشيوخ الأميركي في الثامن والعشرين من فبراير المنصرم في القول بأن «الرئيس السوري بشار الأسد يمكن أن ينطبق عليه وصف «مجرم حرب»، مضيفة بأن «هناك أدلة تتيح ملاحقته بتهم ارتكاب جرائم حرب»، إلا أنها حذرت في الوقت نفسه بأن الأخذ بهذا الخيار «قد يعقد الوصول إلى حل للأزمة السورية».

خلال ذلك تتعرض الإدارة الأميركية لضغوط شديدة للقيام بدور أكثر إيجابية لمواجهة الموقف في سوريا، فهناك أكثر من دولة عربية تدعو لتسليح المدنيين السوريين. كما أن أوساط سياسية أميركية لا تخفي تحبيذها لهذا الخيار على الرغم من خطورته وربما عدم نجاعته أمام الجيش السوري المدجج بالأسلحة الثقيلة، هذا إضافة إلى أنه ينقل الصراع إلى طور جديد ليس ببعيد عن الحرب الأهلية التي قد لا يقتصر لهيبها على الأراضي السورية.

فقد وُجهت في أواسط فبراير المنصرم رسالة مفتوحة للرئيس الأميركي أوباما موقعة من قبل ستة وخمسين من السياسيين المحافظين من ضمنهم وليام كريستول وماكس بوت وأليزابث شيني وآخرون ممن لعبوا دوراً في التخطيط للحرب على العراق يطالبوه بقيادة تحرك دولي لوقف ما يقوم به النظام السوري.

ومع أن هذه الرسالة قد حوت أهدافاً إنسانية تتعلق بإيصال المساعدات للمحاصرين إلا أن الموقعين لم يخفوا أهدافهم الحقيقية حين ضمنوها فقرة لتذكير الرئيس بأن «نظام الأسد يشكل تهديداً خطيراً للأمن القومي الأميركي ومصالح الولايات المتحدة». كما اقترح عضوا مجلس الشيوخ الأميركي عن الحزب الجمهوري، جون ماكين وليندسي غراهام، تقديم الدعم للمعارضة السورية، بما في ذلك المساعدات العسكرية.

في مقابل ذلك ألحقت سلسلة التفجيرات الأخيرة التي وقعت في سوريا والتي حملت بصمات تنظيم القاعدة أضرار كبيرة بثورة الشارع السوري، حيث دفعت الولايات المتحدة لتكون أكثر حذراً وتردداً عن ذي قبل، وقد انعكس ذلك في تصريحات وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في السادس والعشرين من فبراير المنصرم لشبكة «سي بي أس نيوز» خلال زيارتها المغرب ردا على دعوات تسليح الثائرين إذ قالت «نحن لا نعلم في الحقيقة ما الجهة التي نسلحها»، وأضافت «إن زعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري أعرب عن دعمه المسلحين السوريين».

وتساءلت أيضاً «هل نحن ندعم القاعدة في سوريا؟ حماس تدعم المعارضة الآن، هل نحن ندعم حماس في سوريا؟».

فما الذي أمام الولايات المتحدة من خيارات؟ من المستبعد أن تلجأ للتدخل العسكري المباشر فليس لذلك غطاء شرعي دولي كما كان الحال، إلى حد ما، في ليبيا، إضافة إلى أن ذلك يتطلب استخدام قوات كبيرة ويتطلب كذلك إرادة سياسية للبقاء لفترة طويلة وهو ما لا يتناسب مع الأوضاع التي تمر بها إدارة الرئيس اوباما التي أبعدت نفسها عن التدخل المباشر في ليبيا.

بقي الخيار الأكثر عملية والأقل كلفة إذا قررت قبول هوية الثورة والتدخل لصالحها هو السماح بإمدادها بالسلاح وتأمين ملاذات آمنة لها في المناطق الحدودية مع الدول المجاورة وتأمين ممرات آمنة لها للوصول إلى المدن القريبة لإدامة التحدي للنظام القائم. وإن رفضت مساعدة الثورة لشكوكها بهويتها الحقيقية فقد تلجأ لتضييق الحصار على سوريا وانتظار وصول النظام إلى درجة كبيرة من الضعف بحيث يسهل إسقاطه كما حصل في العراق بغض النظر عما سيترتب على ذلك من معاناة للشعب السوري.