بدعوة مشتركة من وزارة الخارجية اليابانية والجامعة الأردنية، أتيحت لي الفرصة لحضور المؤتمر الثاني لحوار اليابان مع العالم الإسلامي، خلال يومي 29 فبراير والأول من مارس 2012. وهو الملتقى الثاني في سلسلة الحوار الجديدة بين الجانبين، فقد بدأت الدورة الأولى تلبية لدعوة وزير خارجية اليابان الأسبق، يوهي كونو، أثناء زيارته لدول الخليج العربي في يناير 2011، لعقد حوارات سنوية بين الجانبين تحت عنوان: "حوار الحضارات".

لبت الدعوة مملكة البحرين فعقدت الملتقى الأولى في المنامة في مارس 2002، وانتظمت المؤتمرات سنويا في تونس، وإيران، واليابان، وماليزيا، والمملكة العربية السعودية، والكويت وغيرها. وعقد المؤتمر الثامن والأخير ضمن تلك السلسلة في طوكيو، في فبراير 2010.

ونظرا لاهتمامي المستمر منذ أكثر من عشرين عاما، بالحوار الثقافي بين اليابان والدول العربية، دعيت للمشاركة في عدد منها وحصلت على غالبية وثائقها.

 وقد تناولت قضايا مشتركة بين اليابان والدول الإسلامية، ومنها قضايا حضارية، وثقافية، وسياسية، وفنية، وتقنية، وبيئية، وأكاديمية، وغيرها. لكن تلك الموضوعات كانت تتكرر في المؤتمرات الأخيرة دون تقديم إضافات جديدة، وغالبا ما تجاهلت القضايا الراهنة، ولذلك ارتأت وزارة الخارجية اليابانية، بالتعاون مع المنظمات الدبلوماسية في بعض الدول العربية والإسلامية، الدعوة إلى عقد ثلاثة مؤتمرات جديدة تحت عنوان: "حوار حول المستقبل بين اليابان والعالم الإسلامي"، تتناول قضايا راهنة، وتستشرف مستقبل العلاقات بين الجانبين على مختلف الصعد.

لبت دولة الإمارات العربية المتحدة الدعوة لعقد المؤتمر الأول في جامعة أبو ظبي، في شهر مارس 2011، بمشاركة أكثر من سبعين شخصية من اليابان والدول العربية والإسلامية، وكان موضوعه الأساسي: "تنوع البنى الصناعية، وخلق فرص عمل للجيل الجديد".

عقد المؤتمر الثاني في الجامعة الأردنية في 29 فبراير و1 مارس 2012 تحت عنوان: "تطوير قدرات الشباب لبناء مستقبل أفضل لهم"، وحضره خمسة وعشرون يابانيا، وعدد من الدبلوماسيين والباحثين القادمين من البحرين، والسعودية، وماليزيا، وإيران، وأندونيسيا، ومصر، وتونس، ولبنان، بالإضافة إلى حشد كبير من المسؤولين والباحثين والطلاب من الجامعة الأردنية، وشخصيات ثقافية وسياسية واجتماعية أردنية. ومن المقرر أن يعقد المؤتمر الثالث والأخير في هذه السلسلة من المؤتمرات، في طوكيو في الربع الأول من هذا العام، تحت عنوان: "الارتقاء بالتعاون الإقليمي لبناء تنمية اجتماعية مستدامة".

تبرز التدابير الجديدة في عقد مؤتمرات الدورة الثانية من الحوار بين اليابان والعالم الإسلامي، أن الجهات المنظمة تنبهت إلى ضرورة تجاوز الأشكال السابقة، التي تحولت إلى حلقات تعارف تناولت موضوعات عامة تتسم بنوع من الترف الفكري في إبراز أهمية الحوار بين الحضارات، دون أن ينفذ أي من توصياتها، فاستنفدت الغاية من انعقادها بعد أن تكررت في ثمانية مؤتمرات متعاقبة منذ العام 2002.

لذلك ارتأى القيّمون على الحوار، فتح آفاق جديدة لدورة ثانية من المؤتمرات، تناقش قضايا راهنة في السنوات الثلاث القادمة، لتنتقل بعدها إلى ثلاثية جديدة تلاحق التطورات المتسارعة في كل من اليابان ودول العالم الإسلامي.

وكان لافتا للنظر اختيار حدثين كبيرين في العام 2011، تمت مناقشتهما في مؤتمر عمان 2012. فقد تم التركيز على زلزال اليابان المدمر في 11 مارس 2011، وانتفاضات الربيع العربي التي أسقطت في العام نفسه أربعة أنظمة تسلطية عربية. فالآثار السلبية للزلزال الكبير ما زالت مستمرة حتى الآن، وكذلك تأثيرات الانتفاضات العربية التي أسست لمرحلة جديدة في تاريخ العرب المعاصر.

اتخذ الحوار بين اليابان والعالم الإسلامي منحى متميزا، لم تعرفه مؤتمرات "الحوار بين الحضارات" التي استنفدت الغاية منها، فكان لا بد من الارتقاء بالحوار نحو آفاق مستقبلية، تتلاءم مع طبيعة التبدلات المتسارعة في اليابان والدول العربية والإسلامية.

ناقش مؤتمر أبو ظبي مشكلات التصنيع الذي يفتح آفاقا جديدة أمام الشباب العربي، وعالج مؤتمر عمان دور الشباب العربي في الانتفاضات الجديدة وآفاقها المستقبلية. وشهد المؤتمر حوارا بالغ الأهمية في جلسته العلمية الأخيرة، بين مجموعة من الشباب الياباني وأخرى من الشباب العربي، فتبادلوا بصورة راقية وجهات النظر التي كشفت عمق الاهتمام المتبادل لدى الجانبين لمعرفة القضايا المشتركة، والدعوة إلى تكثيف تلك الحوارات بين شباب اليابان والشباب العربي.

تنوعت موضوعات الحوار لتطال دور التكنولوجيا الحديثة، وأهمية وسائل الإعلام، ودور المؤسسات الأكاديمية والدبلوماسية، ومنظمات المجتمع المدني وغيرها، في فتح قنوات جديدة للحوارالإيجابي بين الشباب، بالإضافة إلى موضوعات علمية تناولها باحثون من الجانبين، حول دور الثقافة في الحفاظ على القيم الأخلاقية والتناغم الاجتماعي، وأهمية التربية في التنمية الاجتماعية المستدامة، وضرورة تدريب القوى الشبابية على إقامة التوازن بين التراث التقلدي والمعاصرة، ودور الشباب في عملية التغيير الاجتماعي، وتحليل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية لزلزال 11 مارس 2011 في اليابان، والتنبه إلى مخاطر التسونامي البحري وتسرب الإشعاعات النووية، والعمل على الحد من انتشار المفاعلات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية.

بالاضافة إلى النقاشات المستفيضة التي تناولت الأسباب الحقيقية للانتفاضات الشبابية في بعض الدول العربية، مع رصد إحصائي دقيق لمشكلات البطالة، والفقر، والأمية، وغيرها من الآفات الاجتماعية التي تجتاج غالبية الدول العربية. كما ناقش المشاركون طبيعة النزاعات الداخلية، والحروب الأهلية، والانقسامات السياسية والطائفية والمذهبية والقبلية في بعض الدول العربية، التي مهدت للتدخل الأجنبي المباشر في منطقة الشرق الأوسط، وحولت النزاع الإقليمي إلى صراع دولي في مجلس الأمن، أفضى إلى نوع من التعددية القطبية في النظام العالمي الجديد.

ختاما، تحتاج موضوعات هذا المؤتمر الهام، خاصة الشبابية منها، إلى دراسة متأنية تبرز مدى الاهتمام بالحوار بين الشباب، ويحتل هذا الحوار موقعا هاما في المؤتمرات التي تعقد سنويا بين اليابان والدول العربية والإسلامية. وتميز مؤتمر عمان في هذا المجال، بحضور رفيع المستوى للشباب من الجانبين.

فبرعوا في حمل قضاياهم بأنفسهم، وأثبتوا قدرات ثقافية ولغوية عالية على التواصل المباشر، وفق أرقى أشكال الحوار الديمقراطي الذي يحترم شخصية الآخر، وعاداته، وتقاليده، ودينه.

وركزوا على القضايا المشتركة التي تلزم المنظمات الرسمية والخاصة في المستقبل، باحترام خصوصية الشباب، والاعتراف بدورهم الإيجابي في التغييرالديمقراطي السلمي، ومساهمتهم الفاعلة في بناء غد أفضل لأوطانهم وللإنسانية جمعاء. فهم رجال المستقبل، والقوى القادرة على بناء عولمة أكثر إنسانية ومتعددة الأقطاب، بعد أن اتجهت عولمة القطب الأميركي الأوحد، إلى مزيد من الحروب الأهلية والإقليمية، التي باتت تهدد السلام العالمي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في أكثر من دولة عربية.