إن الوقائع والأحداث التي تشهدها الساحة الدولية، انطلاقاً من المستجدات المستحدثة والطارئة، تجعلنا في مرحلة لتسجيل التاريخ بجميع مراحله وظروفه وملابساته، والإعلام له دور كبير في رصد هذه التحركات التي ستكون يوماً تاريخاً للأجيال القادمة، يتباهى بها بعضهم، ويلعنها البعض الآخر، ويسكت عنها آخرون.

إن التاريخ عناوين لأحداث واحدة، ولكن كل يدون التاريخ ويسطره وفق منظوره أو أهوائه، أو ربما وفق رؤاه أو رؤى شخص اشترى قلمه وذمته وضميره. لا مفر لأي كان من أن يهرب من واقعه الذي كتبه وقدَّره الله عليه، فهذه الحياة ومجرياتها هي سنة طبيعية يعيشها ويتعايش معها البشر، بظروفها وملابساتها، بحلوها ومرها، بطبيعتها وتصنعها، بفطرتها وتخلقها، وبرسمها وارتسامها، وكما يقولون «المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين».

ولكن هناك من يعايش الواقع وهو لا يدوِّن تاريخاً، وإنما يدوِّن أحداث مجريات يشهدها ويشاهدها الناس كافة، خاصة في ظل الإعلام والفضائيات المفتوحة. ولا شك أن من الإعلام ما يضلل، وينقل صورة ويخفي أخرى، ويكبِّر حدثاً ويصغِّر آخر، ويسلط الضوء على واقع معين، ويطفئ الضوء عن أمور ليست على هواه..

وبالتالي فمن ينقل لنا الأحداث، سواء كانت مشاهدة أو مسموعة أو مكتوبة أو مرسلة شفاهةً فإنه سيكون محل حساب، ليس محل حساب اليوم، لأن الحابل قد اختلط بالنابل، ولكن سيكون محل حساب الأجيال القادمة والتاريخ.

تؤلمنا جميعاً الأحداث التي تقع في جمهورية مصر العربية (مصر المحروسة)، البلد الذي شهدنا فيه جانباً كبيراً من التنمية والرقي والتحضر، ودماثة الأخلاق والطيبة المعروف بها أهل هذا البلد، والبسمة الدائمة المرتسمة على الوجوه مهما عظمت الأحداث والطوارئ. تلمَّست فقدان ذلك في الرحلة الأخيرة في زيارتي لمصر، بمناسبة دعوتي كضيف شرف في معرض الكتاب المصري الدولي، والتي انقطعت عن زيارتها أكثر من سنة، منعتني عنها أحداث الشغب والفوضى التي تسود كل فترة هذا البلد، وما ينقله الإعلام والصحافة عنه ليكون عنواناً يسطر به التاريخ القادم.

لا أخفيكم أن هناك مشكلة في مصر، الكل يتكلم فيها وعنها، وهي واقع البلطجية، إذ تُعَدُّ بعبعاً مرعباً للكثيرين فيها، إلا أن مصر ما زالت بخير، وإن كنا نخاف كما يخاف عليها الكثيرون من أن تنجرَّ لفتنة كبيرة، نسأل الله لهذا البلد دوام الأمن والأمان والسلامة، وإنفاذ المولى عز وجل أمره ووعده فيها، الوارد في قوله تعالي {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} [سورة يوسف ـ الآية 99].

أما واقعها فيقول إن الناس تعيش وتقضي حوائجها وتخرج وتعمل، وكل شيء بخير سوى الخوف من البلطجية المدسوسة والمدفوعة من مخططات لا تريد السلامة لمصر.

وفي الجانب الآخر فإن الصحافة والإعلام المصري تحديداً، وللأسف، يقوم بدور ربما يغيب عنه فهمه، وهو التحريض لإيقاد الفتنة، سواء كان لدى البعض دون قصد، أو لدى البعض الآخر بقصد، وفي الحالة الأولى كما يقال إن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وفي الحالة الثانية، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

فماذا يعني أن تسمى حادثة استخدمت فيها الخيول باسم «موقعة الجمل»، حال الأحداث التي نشبت في 25 يناير وما أعقبها من أحداث؟ وماذا يعني أن تسمى أحداث البلطجية والقتل الواقعة في استاد النادي المصري في بور سعيد، في المباراة التي جرت بين النادي الأهلي ونظيره المصري البور سعيدي، بـ«موقعة الجمل 2».. لماذا؟!

وأنا أتساءل: أين ذهبت موقعة الجمل الأولى التي دونها التاريخ، وكانت سبباً لشقاق المسلمين في ذاك الوقت، ولا تزال سبباً في فرقتهم رغم مضي 1400 سنة أو عام، سنوات بِشرِّها، وأعوام بِخيرها؟! ولا تزال ذاكرة التاريخ تردد موقعة الجمل بما حصل فيها، وما أوقعت من فتنة بين المسلمين، والتي هي ليست مناط حديثي هنا.

ما أريد أن أقوله هو أن يتقي الله كلُ مسؤول وراعٍ، وكلُ كاتب ومدوِّن، فلا يطلِق الأسماء على أعنتها، ليؤجج الفتنة بالمحن القديمة، ويزرع شروراً جديدة. من هذا المنطلق فإني أناشد الإعلام والصحافة المصرية، لتصويب الخطأ، وعدم إطلاق مسميات في غير محلها، والرجوع لمنطق العقل والرشد، ومن يقر بخطئه خير مِن مَنْ يستمر فيه، حتى لا يحق عليهم قول الله تعالى {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَار} [سورة الحشر ـ الآية 2].