هل يُفلِح الحوار من دون معرفة كل محاور بالآخر الذي يُحاوره؟ سؤالٌ يبدو عادياً جداً للوهلة الأولى، لكنه سؤالٌ إشكاليٌّ بامتياز. فلو تبينّا العوامل الحقيقية التي تحول دون وصول المحاورات إلى حصادها المنشود، لظهر لنا أن ذلك عائدٌ إلى الجهل المديد الذي يحكم حقول المتحاورين أنفسهم.
هذه البديهية تحضر اليوم بقوة، وسط الجدل المتواصل حول الآليات التي ينبغي أن تُعتمد للحوار بين الأديان والمذاهب والتيارات، داخل كل مجتمع وعلى مستوى العلاقة بين الإسلام والغرب.
لكن لا بد من القول بدايةً، إن المعرفة لا تستوي إلا على نصاب الحرية. وتلك بديهية تفترض العناية بها، كلما دار الكلام على أمرٍ يشكل بالنسبة إلى الأفراد أو الجماعات موضوعاً للتعرُّف.
ففي المسافة الفاصلة بين الأمر المجهول والعلم به، سوف يجد الراغب إلى المعرفة، أنه إزاء مجهود فكري وأخلاقي ينبغي أن يبذله لتحصيل ما يسعى إليه.
ولأن تحصيل المعرفة شرُطُه الحرية، فلهذه الأخيرة قواعد ومبادئ ومنازل، لا تتوفر إلا لمن توفّر على ثلاثة شروط متلازمة تؤلف عناصر الكمال لشخصيته، وهي: العقل والإيمان والأخلاق، إذ من خلال هذه الثلاثية يستطيع المتعرّف أن يتعقّل نظيره كما يبدو له هذا النظير في الواقع، ثم ليناظره بالرحمانية ويسلك مسلكاً يجعل من حياته الشخصية جزءاً غير منفصل عن حياة الجماعة، ثم يشاطرها كل شأن عام على أساس من الخيرية والاعتناء والشراكة التامة.
فلا يقدر سوى كائن يمارس التعقل، ويفهم المطالب اللا مشروطة للوازع الأخلاقي، أن يفلح في إنجاز هذه المرتبة من الحرية.
ثم إن من يمتلك مثل هذا المستوى من العقل، أي العقل بوصفه البنية المعنوية (الروحية) للفكر والواقع، لا العقل بوصفه أداة تقنية، فإنه يحقق بذلك الشرط القبْلي للإيمان. ذلك أن الإيمان ـ حسب الفيلسوف واللاهوتي المسيحي بول تيليتش ـ هو الفعل الذي يصل به العقل في نشوته الانجذابية إلى ما وراء ذاته، إذ حين يعيش هذا العقل همه الأقصى متّحداً بالإيمان، فإنه يعيش حالة انجذاب يندفع فيها إلى ما وراء ذاته. وبذلك يتحرر هذا العقل من حدود أنانيته الضيقة، وتتّسع لديه فضاءات التعرّف، ويصبح كل مغاير أو مختلف حافزاً له للجاذبية والنمو.
فالتجربة الانجذابية لا تلغي العقل، بل هي لا تتحقق إلا بالعقلانية، إذ إن العقل لا يتحقق بالحرية التامة إلا متى سيق إلى ما وراء حدود تناهيه، أي إلى المقدس اللاّمتناهي. فالإيمان بوصفه حالة هم أقصى، هو العقل في نشوته الانجذابية، وإذاً فلا تناقض بين طبيعة الإيمان وطبيعة العقل، بل يقع كل منهما في داخل الآخر (بول تيليتش: "بواعث الإيمان" ص 90)، ليحققا للإنسان الحدود القصوى من الحرية.
ذلك يعني أن التعرّف المؤيد بالحرية المدركة والواعية، هو عملية مركبة: من جهة تلبي الحاجة إلى التواصل واللقاء الذي تفترضه ضرورات الحياة ضمن جغرافيا حضارية ودينيّة مشتركة، ومن جهة ثانية فإنها تنجز الحاجة إلى فهم ما كان غير مفهوم من المعارف الإيمانية والدينية والحضارية للفريق الآخر.
حين تصير الحرية شرطاً مقوِّماً للإيمان والمعرفة، ربما نصل إلى ذلك المثلث الذي لا يستوي التعرف فيه على نصاب العدل إلا باجتماع أركانه معاً: الإيمان والمعرفة والحرية. عندئذ يتوفر للملتقين، الفضاء الفسيح الذي ينأى بهم من شوائب الحذر والخشية، وتخلو لهم مساحة من الرحمانية لتبادل المعارف وإنجاز القضايا المشتركة.
إلى ذلك فإنّ من لوازم التعرف الذي يسبق أي حوار، أن يتوفر المتعارفون على ما نسميه «سعة النظر». وهذه القيمة الأخلاقية المعرفية، هي ركيزة أساسية من مرتكزات التعُّرف. وقوامها أن يُحرز طرفا العلاقة وعياً مسبقاً بضرورتها النظرية، وكذلك بضرورة اختبارها عبر ممارستها في الحياة الواقعية. وفي تصورنا أن مثل هذا الوعي لن يتحقق إلا بشرط الالتقاء بين جدولين متآخيين:
أ- جدول الفضيلة: ومنشأه الفطرة الخيِّرة الكامنة في ذات الإنسان؛ تلك التي يستمد منها الفضائل وبرعايتها يحسِّن سيرته ويجمَّل سلوكه، فكلما نمّاها ووسَّعها فاضت عليه بالتخلّق واللطف..
ب- جدول المعرفة: وهو مركب من خطين متلازمين تلازماً "ذاتيّاً": معرفة الذات، ومعرفة الغير.
كلا الجدولين (الفضيلة والمعرفة) يتحركان في سياق واحد. ولئن ظهر لنا أن جدول الفضيلة هو أمرٌ ثابت من حيث كونه مبنياً على الفطرة التكوينية لذات الإنسان، فإن جدول التعرُّف يجري بلا انقطاع ضمن حركة جوهرية سارية في الحياة المشتركة للأديان والأمم.
وهكذا.. متى حاز المُتعرِّفُ الجمعَ بين جدولي الفضيلة والمعرفة، تحقَّق له الطور الأول من سعة النظر، وبذلك يكون قد أنجز حقل إدراك زاخر بقابليّات النمو، والاستعداد والتوسُّع والشُّمول.
لا شك أن الكلام على هذه المطارحات يكتسبُ أهميته الاستثنائية اليوم، في سياق النقاش حول حوار الأديان. ولعل ما يمنح أطروحة التعرُّف أولويتها الخاصة، أنها تكشف عن واحد من أهم وأبرز عوامل القطيعة بين الأديان الكبرى، وهو ما تعكسه الحالة النمطية من الحوار المعمول به على سيرة المجاملات العابرة والجهل المتبادل. وهذا بالذات ما قصدناه بواجبيَّة الأخذ بقاعدة التعرُّف، لتجاوز الجهل عبر معرفة الذات والآخر، قبل الشروع في أي حوار. لكن الفضيلة العليا للتعرف لا تتوقف على تنوير مساحات العتمة التي تحجب بصيرة المتحاورين وحسب، بل هي تمتد بفضائلها لتغمر بأنوار المعرفة كل من يمضي إليها أو يأخذ بناصيتها. وكلما مضى المتعرِّف إلى لقاء نظيره على خط الرحمانية، كلما انقشعت عن نفسه غمامة الجهل، فعرف نفسه وعرف النظير في عين الوقت.
أما العائدات التي يحصّلها السالك إلى فهم دين سواه والتعرُّف إليه، فهي كثيرة وجليلة على الجملة:
أولاً؛ سوف يساعده التعرف في معرفة دينة على نحو أكثر عمقاً، وذلك على اعتبار أن الحقائق تدرك بنظائرها، أو كما يقال «إن الأشياء تعرف بأضدادها». ففي مسار التعرف الذي يحفر مجراه عبر التداول والاستقراء والمساءلة، يتكشَّف المزيد مما هو مجهول لنا من حيوات الغير. وهو مسار لن تكون له حدود ما دام مفتوحاً على الامتلاء المستمر بالعلم، لا سيما إذا تشكلت معلومات ومعارف هي حصيلة فهم الآخر لدين المتعرِّف ومعتقداته.
ثانياً؛ سوف يعينه على معرفة مواطن الخلل، التي ينطوي عليها سلوكه الديني حيال المنتمي إلى دين آخر. ونعني بمواطن الخلل: شعور المؤمن الساعي إلى المعرفة، بالرضا والأمان داخل معزلِهِ الديني (الطائفي أو المذهبي)، والشعور بالاكتفاء الذاتي وهو يعيش حبيس قلعته المغلقة.
ثالثاً؛ أن يغادر المتعرف عقدة الاضطهاد الناتجة من جهله بنظيره، حيث لا يتوقع منه إلا سوء النية والشر المستطير.
رابعاً؛ إدراك معنى آخر للحرية، حيث تكف الحرية في حالة الإدراك عن كونها مجرد لعبة تستباح فيها أفهام ومعارف ومعتقدات الغير، خصوصاً حين تتحول الحرية لديه إلى سلوك، بعد أن اختبرت في حقل التواصل الحميم.
خامساً؛ أنه يمنحك فرصة الاستفادة مما في معتقد غيرك، من محاسن وكمالات لا تتوفر في مجال ثقافتك الدينية والأخلاقية.
سادساً؛ إمكان التوصل عبر التعرُّف إلى منفسح يمكّن المتعارفين من بلورة استراتيجية تفضي إلى الخير العام، في ميدان الاجتماع والسياسة والتنمية ومقاومة الهيمنة الخارجية والاستبداد الداخلي.
في مناخ التحولات الكبرى في هذا الشرق، يبدو المسيحيون والمسلمون أمام اختبار إيمانهم الديني من جديد، ضمن دائرة العيش المشترك. ولا يبدو في ظني شيء أكثر واجبية من التعرُّف والفهم، كمبتدأ لهذا الاختبار المنشود.