قبل عام تقريبا في هذا المكان، وتحت عنوان "حكمة الشباب ونزق الكهول"، قلنا إن حكمة الشباب التي لم نتوقعها قد أدهشتنا، بالقدر نفسه الذي أحبطنا نزق وتهور وطيش الكهول، الذين طالما اعتبرناهم عقلاء الأمة الذين يفيضون حكمة وعلما. كان هذا الانطباع أو الاستنتاج على خلفية الحوارات التي استمعنا إليها في الفضائيات، منذ تفتح زهور الربيع العربي الذي جاءنا على حين غرة، بعد أن ضرب الخريف أطنابه علينا قرونا، حتى ألغينا نظرية الفصول وتواليها، وحسبنا الحياة كلها خريف بلا نهاية.

وقبل أسبوعين تقريبا، في الأمسية التي نظمتها "ندوة الثقافة والعلوم" في دبي، لمناقشة كتاب "مستقبل الثقافة في الإمارات" للكاتب والمترجم الصديق كامل يوسف، ألقى أحد الشباب خلال المناقشة حجرا في المياه الراكدة، عندما انبرى في اللحظات الأخيرة من الأمسية، فأبدى ملاحظة استقبلها الحضور بأمزجة مختلفة، فقال إن أغلب الذين استمعنا إليهم، محاضرين ومتحدثين، قد تجاوزت أعمارهم الخمسين، معترفا أنه كان ينوي أن يقول الستين لولا خوفه من غضب المتحدثين، وعلق بأنه يخشى أن تكون ثقافتنا قد شاخت، أو أنها أصبحت تسير على كرسي متحرك.

وبغض النظر عن مدى الاستحسان الذي لقيته هذه الملاحظة أو عدم الاستحسان الذي قوبلت به، خاصة من قبل الذين عنتهم مباشرة، فإن الذي قد لا نختلف عليه هو أننا بحاجة إلى حكمة الكهول، بالمقدار نفسه الذي نحتاج فيه حماس الشباب وفورتهم كي تكتمل الدائرة، فتصوير الأمر على أنه صراع أجيال يحدّ من سرعة الانطلاق نحو المستقبل، في حين أن عدم تأطيره ورسم حدود له، يجعله مشاعا للجميع، ويسمح لكل حاطب ليل أن يهوي بفأسه على جذع الشجرة فيجتزها من جذورها.

لقد جسّرت الثورة التكنولوجية الهوة التي كانت قائمة بين جيل الرواد، الذي شاخ أو أصبح يسير على كرسي متحرك، كما رأى ذلك الشاب، وبين جيل الشباب المتطلع إلى احتلال مكانه في جميع المجالات، وأصبح الفضاء الإلكتروني أرضا مباحة للجميع، لا تضع شروط السن والخبرة ضمن مسوغات ارتيادها والدخول إلى جميع ساحاتها. فلم تعد السياسة حكرا على السياسيين والعاملين في المجال الدبلوماسي وحدهم، ولم يعد الأدب حكرا على الكتاب والشعراء والروائيين وحدهم، ولم يعد الفن حكرا على المطربين والممثلين والرسامين وغيرهم من الفنانين وحدهم، ولم يعد الإعلام حكرا على الإعلاميين وحدهم.

إلى أي مدى أثرى هذا الانفتاح الفضائي الساحة ورفدها بالجديد الذي ينفع ولا يضر؟ وإلى أي مدى أشاع فيها الفوضى والانفلات والخروج على أدب الحوار وأصوله وأخلاقياته؟

هذا هو السؤال الذي يجدر طرحه في ظل ما نشاهده من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وما يصل إلينا عبر وسائل الاتصال الحديثة التي اختزلت الزمن، وحرقت المراحل، وألغت المسافات، وهدمت البوابات، وأرسلت حراسها إلى مخازن الاستيداع.

ليس ثمة من يستطيع أن ينكر أن الفضاء الإلكتروني قد أتاح جرأة في الطرح لم تكن مألوفة ولا متاحة من قبل، لكنها جرأة تجاوزت حدود الأدب واللياقة وأصول الحوار التي تربى عليها جيل الرواد، من قضى منه ومن شاخ أو أصبح يسير على كرسي متحرك، ليس لأنها تطاولت على الرموز الدينية والوطنية والثقافية والمجتمعية فقط، وإنما لأنها أصبحت تستخدم مفردات لا يصح استخدامها في أكثر البيئات سوءا وتدنيا، فكيف بها وهي تصافح عيوننا في ساحة حوار فكري أو سياسي أو ديني أو ثقافي، مهما كانت درجة الاختلاف أو الخلاف بين المتحاورين الذين يجمعهم فضاء واحد، وتفرقهم أفكار أو عقائد أو انتماءات مختلفة؟

حين تشيخ الثقافة، يبقى الأمل قائما في انبعاث من يجدد شبابها ويضخ فيها دماء جديدة تعيد إليها حيويتها ورونقها اللذين ربما تكون قد فقدتهما في مرحلة من المراحل، نتيجة عوامل شتى يعرفها المشتغلون بالشأن الثقافي والمهتمون به. وما نشاهده على الساحة الثقافية العربية من انبعاث جيل جديد من الأدباء والشعراء والكتاب والفنانين الشباب، خير دليل على الانتعاش الذي يلوح في الأفق، بعد أن غيب الموت الكثير من الرموز التي أثرت الساحة في النصف الثاني من القرن العشرين، وكان لها حضورها اللافت على مدى نصف قرن من الزمان، نعتبره العصر الذهبي للأدب والفن والثقافة العربية بمختلف فروعها وأشكالها في العصر الحديث.

وحين تشيخ السياسة، يبقى الأمل قائما في انبعاث من يعيد إليها شبابها وقوتها ويصحح مسارها، كي ينتشل الأمة من المستنقع الذي وقعت فيه، ويعيد إليها هيبتها التي ضاعت، ومكانتها التي تزعزت نتيجة سياسات بعض قادتها الذين وضعوا مصالحهم فوق مصالح أمتهم، واستغلوا سلطاتهم لتدعيم أركان سلطانهم على حساب أوطانهم.

ولعل في ثورات الربيع العربي ما يثبت لنا أن الأمة تجدد نفسها، وأن عهود الظلام مهما طالت زائلة، حتى لو بدت النتائج التي نشاهدها حتى الآن على الأرض غير مشجعة، فما فسد عبر عقود من الزمن لا يمكن إصلاحه خلال أيام وشهور، إذ ربما احتاج سنوات بقدر ما تخلص النيات وتُخمَد الفتن والمؤامرات.

وحدها الأخلاق حين تشيخ، تحتاج وقتا طويلا جدا كي تستعيد شبابها وصحتها ورونقها، ولا نتمنى لأخلاقنا أن تشيخ في عصر تجدد الآمال وصعودها وانتعاشها.