النتيجة المرجحة إلى حد كبير للانتخابات الروسية، هي أن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين سينفض الغبار عن قرطاسيته القديمة من فترتيه الرئاسيتين الأوليين. وقد عمد بوتين أخيراً إلى نشر سلسلة من أوراق إيضاح الموقف، ركز آخرها على إعادة تسليح الجيش الروسي وإصلاحه.
والملاحظة الأكثر لفتاً للانتباه كانت: "إننا بحاجة إلى نظام استجابة لما يتجاوز التهديدات الحالية، إذ ينبغي لنا أن نتعلم أن ننظر إلى ما وراء الأفق، وأن نقدر التهديدات التي قد نواجهها خلال الأعوام الـ30 أو حتى الـ50 المقبلة.
وهذا هدف خطير، ويتطلب حشد موارد العلوم المدنية والعسكرية، والمعايير التي يمكن الاعتماد عليها لغرض التنبؤ بعيد المدى". متى كانت آخر مرة سمعت فيها سياسياً أميركياً يتحدث عن رؤية شاملة تتراوح مدتها بين 30 و50 عاماً؟ إن معظم هؤلاء السياسيين ولد في اليوم الذي أجري فيه آخر استطلاع للرأي، وينتظر بفارغ الصبر الاستطلاع المقبل لمعرفة ما إذا كان بقاؤه مضموناً.
وتعد رحلتهم مثيرة للقلق، إذ يزمون شفاههم خوفاً من التلميح إلى أي اضطراب سياسي. ويسمرون أعينهم على خريطة الطيران المثبتة في ظهر المقعد، متسائلين عن السبب في أن رسم الطائرة الضخم لا يلتهم البيكسلات الصغيرة التي تشكل مسار الرحلة بشكل أسرع. ويقلقون حول ما إذا كانت الشطائر الخمس التي قاموا بشرائها عند البوابة، ستكفيهم خلال الساعات القليلة المقبلة. ويتساءلون عما إذا كانت تغريدة واحدة تعصف بالمشهد السياسي، ستتجه مباشرة إلى بطن طائرتهم لتجعل كل شيء موضع نقاش.
وتفسر هذه العقلية جزئياً السبب في أن قيادتنا السياسية، تشبه باباً دواراً للشخصيات البارعة في التكتيك، لا الحالمة، التي تفتقر إلى العمق اللازم لإسقاط مرساة، فيما تطير من عاصفة سياسية إلى أخرى، وتتشبث بالحظ الأحمق (وأشدد على كلمة "أحمق").
وهذه المخلوقات الخائفة، صممت خصيصاً للصمود دقيقة بدقيقة، ونحن جعلناها كذلك، لأن العديد منا يعيش الآن ويتوقع من الآخرين أن يقوموا بالعمل بهذه الطريقة. ولا يفوز الأشخاص الحالمون الذين يتسمون بالهدوء والصبر وعمق التفكير، في هذه اللعبة التي تفضل الأوعية الجوفاء التي تحدث أكبر قدر من الضجيج، بينما تقوم بجلد نفسها في أرجاء وسائط الاتصال الاجتماعية.
وهذا النوع من المواقف على وجه الدقة، الذي يتمثل في الحاجة الفورية إلى الشعور بالرضا، من خلال نيل الإعجاب وحشد التعليقات عبر وسائط الاتصال الاجتماعية، واحتمال أقل للصبر والتخطيط، هو ما سيشكل سقوط أميركا والغرب، وخاصة قيادتهما.
وعندما يتحلى منافسونا وأعداؤنا، من الروس والصينيين إلى القراصنة الصوماليين الذين ينتظرون بهدوء سفينة شحن يستولون عليها، بكل ما في العالم من صبر، ويخططون على المدى الطويل، فإن ذلك يضخم ضعفنا القاتل.
إننا نعطي الأولوية للإشباع الفوري على حساب الرؤية طويلة الأجل، وبالتالي فإننا نحظى بممثلين يتطابقون تماماً مع تلك التوقعات: مهرجون يستطيعون الرقص، بينما نقوم نحن بإحداث ثقوب في الأرض حول أقدامهم بوابل من الرصاص. وأولئك المهرجون ليسوا أهلاً لأن يكونوا الزعماء.
وفي المقابل، ساهمت سياسة "الغلاسنوست" و"البيريسترويكا"، وهي سياسة الجهرية والهيكلة الإصلاحية التي تبناها ميخائيل غورباتشوف في ثمانينات القرن الماضي، في إعطاء روسيا العذر المثالي للصبر، والغطاء المثالي لسوء التقدير. ولم يتوقع أحد أن روسيا ما بعد الحرب الباردة، ستستجمع قواها خلال فترة قصيرة.
وفي مناقشات خضتها أخيراً مع مجموعة من الزملاء، راح بعضهم يناقش ما إذا كان الجيش الروسي يعاني من ضائقة مالية قد تحتم إيكال مهمة أمن البلاد إلى حليف وكيل. ولكن بوتين الآن لا يرفع رواتب العسكريين لتصل إلى ثلاثة أضعافها فحسب، وإنما يسعى أيضاً إلى موازاة تلك الرواتب في المستقبل مع رواتب مديري القطاع الخاص.
ويوضح بوتين أنه "بحلول عام 2020، فإن نسبة الأسلحة الجديدة، يجب أن ترتفع إلى ما لا يقل عن 70%"، بما في ذلك أكثر من 400 صاروخ بالستي عابر للقارات متطور، وثماني غواصات استراتيجية حاملة للصواريخ البالستية، وحوالي 20 غواصة متعددة الأغراض، وأكثر من 50 سفينة حربية سطحية، ونحو 100 مركبة فضائية حربية، وأكثر من 600 طائرة حديثة.
بما في ذلك طائرات مقاتلة من الجيل الخامس، وأكثر من 1000 طائرة هليكوبتر، و28 مجموعة معدات على مستوى الفوج لأنظمة دفاع جوي من طراز "إس-400"، و38 مجموعة معدات على مستوى الكتيبة لأنظمة صاروخية من طراز "فيتياز"، و10 مجموعات معدات على مستوى الفرقة لأنظمة صاروخية من طراز "إسكندر-إم"، وأكثر من 2300 دبابة حديثة، ونحو 2000 مركبة مدفعية ذاتية الحركة، وأكثر من 17 ألف مركبة عسكرية.
ويتساءل المرء، متى حدث ذلك؟ إنه لأمر مدهش ما يقوم به بعض الدول، فيما ننشغل نحن بإرسال التغريدات عبر موقع تويتر، حول ما إذا كانت ميشيل أوباما تتناول طعامها اليوم "كشخص منافق"، أو مرشح الحزب الجمهوري الذي سيحصل على موافقة سارة بالين!