بدلاً من أن يحل مؤتمر أصدقاء سورية الذي عقد في تونس في 24 فبراير الماضي الأزمة السورية، أو يضعها على طريق الحل كما كان متوقعاً، فقد زادها تعقيداً وترك إشكاليات يصعب حلها، وزاد الصعوبات صعوبات جديدة، وفي الوقت نفسه شجعت نتائج المؤتمر السلطة السورية على ممارسة مزيد من العنف بدون الخشية من نتائجه أو الخوف من عقوبات.

وشجعتها أكثر على الاستمرار بممارسة الحل العسكري الذي اختارته هذه السلطة وتراه قادراً على قمع السوريين وتشتيت حراكهم وإخماد ثورتهم، وهكذا بين تواضع نتائج المؤتمر واستغلال السلطة السورية لها، يدفع الشعب السوري ثمناً باهظاً من دمائه وتنميته واستقلاله الوطني.

أدت نتائج مؤتمر تونس إلى تدويل الأزمة السورية ووضعها بين يدي دول العالم وبعض منظماته الإقليمية، وأخرجتها من أيادي السوريين أنفسهم، الذين لم يعد لهم الدور الأساس في السيطرة على هذه الأزمة وبالتالي على إمكانية حلها، سوى بذل مزيد من الدماء والخسائر البشرية والاقتصادية والإنسانية الأخرى.

وشكل المؤتمر ونتائجه هروباً للأمام للحركة السياسية السورية المعارضة وللحراك الشعبي أيضاً، فبعد أن راهنت بعض أطياف المعارضة السورية على التدخل العسكري الأجنبي لحل الأزمة السورية وإسقاط النظام.

وجعلت هذا الخيار خياراً وحيداً، وابتعدت منذ أن تبنته عن بذل أي جهد جدي لتوحيد المعارضة وإقامة صلة مع الحراك الشعبي وتشكيل قيادة موحدة لهذه المعارضة تقود العملية السياسية والثورية بكاملها، وتضع برنامجاً مفصلاً وواضحاً لتحقيق تصدع النظام ثم سقوطه، بدلاً من هذا راهنت على خيار وحيد هو طلب التدخل العسكري الأجنبي، واستسهال هذا التدخل.

والغريب أن بعض أطراف المعارضة هذه التي راهنت عليه لم تقترح حلاً آخر موازياً كاحتياط، يعتمد على القوى الثورية والسياسية داخل الحدود، مدعوماً بالمساعدات العربية والخارجية السياسية والمالية والاقتصادية وغيرها.

لقد أضعف حراك المعارضة السورية الخارجية تيارات المعارضة الأخرى الرافضة للتدخل الأجنبي، من خلال مهاجمتها واتهامها ونقدها بعنف، وقد استطاعت نتيجة ذلك أن ترسم صورة غير حقيقية عنها، فاتهمتها بتهم غير صحيحة أقلها ممالأة السلطة السورية القائمة، وعقد حوار سري معها، وهذا بالتأكيد غير صحيح، وساعدتها في اتهاماتها بعض وسائل الإعلام العربية والدولية وخاصة بعض القنوات الفضائية.

وقد أدى هذا الهجوم إلى إضعاف المعارضة الداخلية والمعارضة الخارجية على السواء، فضلاً عن أنه جعل الحراك الشعبي يتوقع تدخلاً عسكرياً خارجياً في فترة قريبة، أي أن المعارضة الخارجية باعت الوهم للحراك الشعبي.

وبالتالي تم إبعاد تيارات المعارضة وتيارات الثورة والحراك الشعبي عن وسائلها الحقيقية والوطنية المجدية والقادرة على التعامل مع الأزمة، من خلال إيهامها بأن التدخل العسكري الأجنبي على الطريق.

يعني تدويل الأزمة السورية ترك قرار حلها بيد قوى غير سورية من البديهي أن تأخذ بالاعتبار مصالحها الذاتية بالدرجة الأولى، لأن هذه القوى ليست جمعيات خيرية، وهذا التدويل سوف ينحّي الشعب السوري جانباً ويبعده عن اتخاذ القرار في قضيته الوطنية،.

ولن يجد التدويل في النهاية أمامه إلا أن يسلح ما يسمى يجيش سورية الحر وبدعمه مالياً ويوحد أطرافه المشتتة الآن، والتي قد يصل عددها إلى أكثر من مائتي مجموعة يكاد التواصل بينها يكون معدوماً. ثم يطلق هذا الجيش لمحاربة الجيش النظامي، وبالتالي يقوم صراع مسلح مدمر ليس فقط للمنشآت العسكرية وللجيشين.

وإنما أيضاً لمنشآت القطاع العام والمنشآت الوطنية، ولا يعرف أحد متى سينتهي هذا الصراع المسلح بين الجيشين فيما إذا بدأ، وإذا انتصر جيش سورية الحر فمن البديهي أنه سيقود المرحلة الانتقالية، وستنحى المعارضة السياسية بجميع أطيافها جانباً، ولن يكون لها ولا للحراك الثوري أي أهمية لا في قيادة المرحلة الانتقالية ولا في غيرها.

إذا بقي الحال كما هو الحال، أي إذا بقيت المعارضة السورية مشتتة لا تمتلك برنامجاً واضحاً لإسقاط النظام وقيادة المرحلة الانتقالية والتنسيق مع الحراك الثوري، فإن السلطة السياسية القائمة ستمارس أقسى درجات العنف، وستستخدم كل ما تملك من أسلحة لقمع الثورة وتحقيق انتصار يبقيها مالكة للسلطة والثروة، قامعة لأي حراك شعبي، رافضة لأي مطلب بالحرية أو الديموقراطية.

وسيتم تحويل النظام الشمولي إلى نظام ديكتاتوري متعسف. وهكذا يجد الشعب السوري نفسه بين حجري الرحى: فالتدويل وسلبياته وتنحيته لهذا الشعب عن قضيته وللمعارضة عن قيادته من جهة، وعسف النظام وقمعه وهمجيته من جهة أخرى.

إن المعارضة السورية بحاجة ماسة لإعادة النظر بمواقفها وبرامجها لإخراج الأزمة من بين حجري الرحى، وربما يتحقق ذلك من خلال توحيد أطراف المعارضة هذه توحيداً جدياً، وسعي قيادتها الموحدة للتنسيق مع الحراك الشعبي وقيادات الثورة المحلية في مختلف أنحاء سورية لتصبح كل هذه الأطراف طرفاً واحداً له برنامج مفصل يعتمد على النضال الشعبي الحقيقي الذي يبدأ بالإضراب الشامل.

وينتهي بالعصيان المدني مروراً بالاعتصامات في ساحات المدن والقرى وشوارعها، والتعاون بذلك مع مجموعات جيش سورية الحر ومع المساعدات الخارجية والضغوط الخارجية، لأن هذا الحل الداخلي هو الوحيد القادر على تحقيق الأهداف بدون العبث بسورية وإمكانياتها ومنشآتها ووحدتها الوطنية ونسيجها الاجتماعي.

وبالتالي تحقيق أهداف الشعب السوري في تحويل النظام السياسي إلى نظام ديمقراطي تعددي تمثيلي تداولي حقيقي ينقل سورية من حال ما قبل الدولة القائم الآن، إلى حال الدولة العصرية التي تمتلك مفاهيم الدولة المعاصرة بأرقى أشكالها، وتحافظ على مصالح الشعب السوري وانتقاله السلمي إلى الخلاص والتنمية.