فجأة، عاد التصنيع إلى أميركا، وذلك على الأقل على صعيد مسار الحملات الانتخابية، ولكن لا تنخدعوا، فالمشكلة الحقيقية لا تتمثل في كيفية إعادة التصنيع، وإنما في كيفية إعادة التوظيف والرواتب الجيدة، والأمران مختلفان تماماً. لقد أصبح الجمهوريون أبطالاً ولدوا من جديد لنصرة التصنيع الأميركي، لا سيما في ظل الانتخابات التمهيدية الحاسمة الجارية الآن. ويقول ميت رومني إنه سوف "يسعى لاستعادة التصنيع" إلى أميركا، من خلال اتخاذ موقف صارم من الصين. ويصف ريك سانتوروم من جانبه التصنيع بأنه يعد "أمرا ملحا يصب في مصلحة المجتمع"، وهو يتعهد بإعادته من خلال إلغاء ضرائب الدخل المفروضة على الشركات المصنعة.

ويريد الرئيس الأميركي باراك أوباما كذلك إعادة التصنيع، إذ إن خطته، التي كشف عنها مؤخراً، تتمثل في وقف الحوافز الضريبية المقدمة للشركات التي تنتقل إلى الخارج، وفي ابتكار إغراءات جديدة لتشجيعها على إحضار فرص العمل إلى أميركا. وقال: "هدفنا هو إيجاد فرص للكادحين الأميركيين، لكي يتمكنوا من الشروع في تصنيع أشياء مختلفة من جديد".

ومن جهة أخرى، فإن الإقبال المكبوت من جانب المستهلكين الأميركيين على الأجهزة والسيارات والشاحنات، أسفر عن ازدهار جزئي في مجال التصنيع الأميركي، مما أحدث موجة من الأمل والوطنية المفعمة بالحنين، تم تصويرها بإتقان في "انتهاء الشوط الأول في أميركا" للمخرج كلينت إيستوود.

ولكن التصنيع الأميركي لن يعود. فعلى الرغم من إضافة 404 آلاف وظيفة تصنيعية منذ يناير 2010، فإن عدد هذه الوظائف لا يزال يقل عما كان عليه في يوليو من عام 2000، بواقع 5,5 ملايين وظيفة.

وتتمثل هذه النزعة طويلة المدى، في وظائف تصنيعية متناقصة. وبعد الحرب العالمية الثانية، وصلت نسبة الأميركيين العاملين في مجال التصنيع، إلى نسبة الثلث (1:3)، أما اليوم فهي أميركي واحد من بين كل ثمانية أميركيين. وحتى لو لم يكن الأميركيون بحاجة إلى التنافس مع عمال يتقاضون أجوراً أدنى في الخارج، فإن فرص العمل في المصانع ستظل أقل، نظراً لإحلال أدوات وآلات يتم التحكم فيها رقمياً، محل خط التجميع القديم.

ويدخل مجال التصنيع حالياً عالم التكنولوجيا المتقدمة، وقد ارتفعت إنتاجيته نتيجة لذلك، الأمر الذي أدى إلى تقليص فرص العمل المتاحة.

وعلى أية حال، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة التصنيع الأميركي، وإنما في إيجاد فرص عمل جيدة لغالبية الأميركيين الذين يفتقرون إلى الشهادات الجامعية. وكان التصنيع في السابق يوفر الكثير من هذا النوع من الوظائف، ولكن ذلك لأن عمال المصانع كان يتم تمثيلهم من قبل نقابات عمالية قوية بما يكفي للحصول على أجور مرتفعة، ولم يعد الأمر كذلك.

 فحتى نقابة "عمال السيارات المتحدون"، التي كانت قوية في وقت من الأوقات، أرغمت على قبول حزم دفع للتعيينات الجديدة في الشركات الثلاث الكبرى، لا تتعدى 14 دولاراً للساعة، وهو ما يضاهي نصف ما كانت تحصل عليه التعيينات الجديدة قبل عقد من الزمن، وتقريباً ما يحصل عليه معظم العاملين في قطاع الخدمات في أميركا. وأعلنت شركة "جنرال موتورز" لتوها أرباحاً قياسية، ولكن عمالها الجدد لن يحصلوا على نصيب كبير من تلك الأرباح.

وإذا كان هنالك سبب واحد وراء الانخفاض الدراماتيكي في متوسط الأجور المقدمة للعاملين غير الجامعيين، على امتداد العقود الثلاثة والنصف الماضية، فهو تراجع النقابات. ففي خمسينات القرن الماضي، كان أكثر من ثلث العمال الأميركيين ممثلين من قبل نقابات. أما الآن، فإن ما يقل عن 7% من عمال القطاع الخاص لديهم نقابات تقف وراءهم.

ما موقف المرشحين من النقابات؟ يتعهد رومني بتمرير ما يسمى بتشريع "الحق في العمل"، الذي من شأنه أن يمنع المتطلبات الوظيفية لعضويات النقابات ودفع الرسوم النقابية، وهي طريقة مؤكدة لسحق النقابات، وقال: "لقد حاربت ضد رؤساء النقابات من قبل، ويسعدني أن أحارب ضدهم مرة أخرى". وعندما لا يلوم رومني الصين على المشكلات التنافسية بين المصنعين الأميركيين، فإنه يلوم أجور النقابات المرتفعة.

ومن جهة أخرى، يقول سانتوروم إنه يدعم نقابات القطاع الخاص، وقد صوت عندما كان في مجلس الشيوخ، ضد قانون "حق في العمل" وطني (ورومني يهاجمه الآن على ذلك). إلا أن سانتوروم لا يهتم بتقوية النقابات، وهي لا تروق له في القطاع العام.

أما الرئيس أوباما فيشيد بـ"المصانع ذات الطابع النقابي"، ومنها "ماستر لوك"، وهو مصنع الأقفال الذي زاره مؤخراً في مدينة ميلووكي، والذي أعاد 100 وظيفة من الصين. ولكن الرئيس لم يعد بأنه إذا ما أعيد انتخابه فسيدفع قانون الاختيار الحر للموظف، الذي من شأنه أن يسهل تنظيم النقابات على العمال. فهو في انتخابات 2008، قال إنه يؤيد ذلك التشريع، ولكنه حين انتخب رئيساً لم يحاول تمريره.

ويسكت الرئيس الأميركي أيضاً، وبشكل ملحوظ، عن النضالات العمالية التي تؤرق الغرب الأوسط، بدءاً من اعتداء ولاية وسكونسن على حقوق المساومة لموظفي القطاع العام، ووصولاً إلى سن قانون الحق في العمل أخيراً في ولاية إنديانا، لتصبح أول ولاية من ولايات حزام الصدأ يسن فيها هذا القانون.

والحقيقة هي أن الشركات الأميركية، سواء الشركات المصنعة أو شركات الخدمات، تسير على خير ما يرام، حيث بلغ مجموع أرباحها خلال الربع الثالث من العام الفائت (وفقاً لأحدث البيانات المتوفرة)، تريليوني دولار. وذلك أعلى بنسبة 19% مما وصلت إليه ذروة ما قبل الركود، قبل خمس سنوات، غير أن العمال الأميركيين لا يشاركون في هذه الوفرة.

وعلى الرغم من أن فرص العمل تعود ببطء، فإن الأجور تواصل انخفاضها، رغم ارتفاع مستويات التضخم. فمن أصل كل دولار من الدخل المكتسب في الولايات المتحدة خلال الربع الثالث من العام الماضي، لم يذهب سوى 44 سنتاً إلى أجور ورواتب العاملين، وهي أصغر حصة منذ أن بدأت الحكومة الأميركية متابعة الموضوع في عام 1947.

ولا تتمثل المشكلة الأساسية في تراجع التصنيع الأميركي، ولن يسهم إحياء الصناعة في حلها، ولكنها تتمثل في تراجع سلطة العمال الأميركيين، للمشاركة في مكاسب الاقتصاد الأميركي، لذا لا بد من وجود نقابات أقوى، في كل من قطاعي التصنيع والخدمات.