مرة أخرى، يختار أوباما أن يتخلى عن مناصريه الذين حملوه حملاً للبيت الأبيض. وهو هذه المرة، فعل ذلك عبر قبوله أن يكون شريكاً في إفساد المال للسياسة، حيث سحب انتقاده الشديد لثغرة أتاحها حكم للمحكمة العليا.
وأصل الحكاية أن المحكمة العليا الأميركية كانت قد أصدرت حكماً في عام 2010، يحظر وضغ قيود على حرية الشركات العملاقة والأفراد في تمويل الحملات الانتخابية، طالما أنها تنفق تلك الأموال دون أي تنسيق مع المرشح وحملته. أي أنه صار ـ بموجب الحكم ـ من الممكن لمنظمة ما أن تجمع أموالاً بلا حدود، ثم تنفقها على دعم أحد مرشحي الرئاسة، في صورة إعلانات تلفزيونية مدفوعة الأجر تؤيده أو تهاجم منافسيه، بشرط أن تفعل كل ذلك دون أي تنسيق مع المرشح نفسه أو مع حملته. وبعد أن عارض أوباما الحكم بشدة عشية صدوره، تراجع عن موقفه وراح يسعى للاستفادة من الحكم في حملته الانتخابية للرئاسة.
والحقيقة أن المحكمة العليا لعبت دوراً محورياً في تنامي الدور الخطير، الذي يلعبه المال في العملية السياسية في أميركا. فهي سوّت في أحكامها دوماً بين إنفاق المال وحرية الكلمة، أي اعتبرت أن الإنفاق على الحملات الانتخابية من جانب المواطنين الأميركيين ـ أفراداً وجماعات ـ هو أحد أشكال التعبير عن الرأي. ومن ثم رفضت وضع قيود على ذلك الإنفاق باعتباره انتهاكاً للدستور.
ففي حكم شهير صدر في عام 1976، فرقت المحكمة بين الإسهام المباشر في حملة أحد المرشحين من جانب أي فرد أو جهة، وبين الإنفاق المستقل من جانب المصادر نفسها. واعتبرت أن الأول يمكن وضع سقف له، على أساس أنه يحمي من إفساد المرشح، ولكنها رفضت وضع أية قيود على الإنفاق الذي يتولاه آخرون بشكل مستقل عن المرشح، باعتبار أنه أحد أشكال حرية التعبير.
لكن هذا الحكم الشهير كان من تداعياته تدفق لا محدود لأموال لا يتم الإفصاح عن مصادرها، مما جعل السناتور الراحل تيد كيندي يصف المؤسسة التشريعية بأنها "أفضل كونغرس يمكن شراؤه بالمال". وقد جرت محاولة لإصلاح القانون لاقت مقاومة واستغرقت ست سنوات، حتى أصدر الكونغرس في عام 2002 القانون المعروف باسم "ماكين ـ فاينغولد"، نسبة إلى عضوي مجلس الشيوخ اللذين كافحا من أجل إصداره. وقد حظر القانون الأموال غير المحدودة التي كانت تقدم للأحزاب دون الإفصاح عن مصدرها، ونظم دور "لجان العمل السياسي" التي تنشئها الشركات والاتحادات وجماعات المصالح، ولا يجوز لها تمويل الحملات الانتخابية إلا من خلالها.
لكن حكم المحكمة العليا في 2010 عاد بالولايات المتحدة خطوة هائلة للوراء، لأنه فتح الباب من جديد لجماعات المصالح القوية، بل وكبار الأثرياء لإنفاق الملايين في الحملات الانتخابية، لممارسة النفوذ السياسي بعدها. وحين صدر هذا الحكم، انتقده أوباما فوراً واعتبره "انتصاراً لوول ستريت" و"تهديداً للديمقراطية"، وأضاف أنه لا "ينبغى أن تشتري أقوى جماعات المصالح، العملية الانتخابية". لكن فور صدور الحكم، انطلق أصحاب المصالح والأموال بكل طاقتهم لاستغلاله للتأثير على العملية الانتخابية، فظهرت لجان عمل سياسي جديدة، عرفت "باللجان السوبر" لأنها تتلقى وتنفق أموالاً بلا حدود، عكس لجان العمل السياسية التقليدية التي يوجد سقف لما يمكن أن تتلقاه وتنفقه. وقد تدفقت الأموال بلا حدود لدعم المرشحين الجمهوريين للرئاسة هذا العام، حتى وصلت إلى 50 مليون دولار أنفقتها تلك اللجان السوبر، ونحن لا نزال في شهر فبراير من العام الانتخابي.
وبسبب ذلك الإنفاق المذهل، تخلى أوباما عن انتقاده لتلك الثغرة الجديدة التي "تهدد الديمقراطية" وتشتري العملية السياسية كما قال، وراح يعلن عن تأييده للجنة سوبر نشأت لدعمه في حملته الانتخابية، "دون تنسيق معه". وقد دافع أوباما عن موقفه، قائلاً: إنه إذا لم يفعل ذلك يكون كمن يخوض حرباً "فيلقي السلاح من طرف واحد".
لكن ما قاله أوباما لم يكن فقط تخلياً عن موقفه، وإنما تخل أيضاً عن السمة الأهم التي ميزت حملته الانتخابية الفريدة في عام 2008. فأوباما وقتها جمع أموالاً طائلة لحملته الانتخابية، وصلت إلى ما يقرب من 750 مليون دولار، كان القسم الأكبر منها من إسهامات فردية من مواطنين عاديين، لا تزيد الواحدة منها عن المائة دولار. وكان ذلك النوع من التمويل هو أحد عوامل الحماس لأوباما في أوساط المواطنين العاديين، الذين شعروا لأول مرة أنهم قادرون على هزيمة أصحاب الأموال بأموالهم البسيطة.
وأوباما بعد أن أصاب بالإحباط قطاعات واسعة ممن أيدوه، بسجله البائس بشأن الحريات المدنية والحروب وبشأن التنازلات الضخمة التي قدمها للجمهوريين بخصوص الكثير من القوانين، إذا به يتخلى عن أحد عوامل نجاح حملته. فلم يعد هناك ما يدعو طالبة جامعية محدودة الإمكانات، لأن تقتطع ثلاثين دولاراً من نفقاتها، من أجل تمويل حملة أوباما بعد أن علمت بأن هناك من سينفقون الملايين لدعمه.
وأنصار أوباما يعلمون تماماً أن شرط عدم التنسيق مع المرشح، لا يتم الالتزام به ولا يمكن أيضاً إثبات انتهاكه. فالقائمون على اللجنة السوبر المستقلة التي تدعم المرشح ميت رومني، يديرها أحد مساعديه السابقين، واللجنة السوبر "المستقلة" التي تدعم أوباما أعلن هو بنفسه أنه يدعمها، وأن مسؤولين في البيت الأبيض سيتحدثون في فاعلياتها.
وعلى ذلك، فقد يحصل أوباما لحملته على دعم بملايين الدولارات، ولكنه قد يخسر الزخم والحماس الذي حرك الملايين للعمل الطوعى لأجل حملته وللتصويت له. فإذا قبع الديمقراطيون المحبطون في بيوتهم، قد تحسم الأصوات الأخرى النتيجة لصالح المرشح الجمهوري.