بعد الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن، دعت فرنسا إلى مؤتمر "أصدقاء سوريا" لإيجاد حل للأزمة السورية، بعد أن عجزت جامعة الدول العربية ومعها مجلس الأمن، عن القيام بهذه المهمة. وبعد مشاورات سريعة، تقرر عقد المؤتمر في تونس التي أبدت استعدادها لاستضافته في 24 فبراير 2012.
سبقت ردود فعل روسيا والصين السلبية، انعقاد المؤتمر وساهمت في إفشاله، إذ تعطي الدولتان الأولوية المطلقة للحل السياسي، عبر وقف العنف من طرفي السلطة والمعارضة معا، ورفض كل أشكال العنف العسكري والتدخل الخارجي. ووقف العنف يجب أن يسبق أي تشكيل محتمل لقوات السلام المقترحة، شرط أن تكون قوات لحفظ السلام فقط، وأن تنال مسبقا موافقة الحكومة السورية للسماح لها بالانتشار على أراضيها، على أن يكون الهدف المرتجى منها هو حماية المواطن السوري، دون أن تشكل غطاء لتفجير حرب أهلية.
وقد حذر الروس والصينيون من استخدام مؤتمر أصدقاء سوريا، لأهداف لا تمت بصلة إلى مصلحة الشعب السوري ورفضوا المشاركة فيه، بعد أن اعتبروا أن الهدف منه لم يكن توحيد السوريين عبر الحوار الإيجابي بين الحكومة السورية والمعارضة، بل تشجيع أطراف من المعارضة على استخدام المزيد من العنف، ودعمها وتسليحها لإسقاط النظام.
بعد انعقاد المؤتمر في العاصمة التونسية في موعده المحدد، وبحضور ممثلين لأكثر من خمسين دولة ومنظمة إقليمية ودولية، وعدد من الشخصيات الدولية، بدا واضحا أن المجلس الوطني السوري المعارض حضر منفردا دون سائر قوى المعارضة. وفي ذلك دليل على فشله في إقناع أطراف أخرى في المعارضة لحضور المؤتمر إلى جانبه، بالإضافة إلى رفض كل من روسيا والصين المشاركة، وعدم دعوة ممثلين عن الحكومة السورية، لأن المجلس يرفض الحوار مع النظام ويصر على إسقاطه بكل الوسائل المتاحة.
تراوحت كلمات المشاركين بين التحذير من تحويل سوريا إلى ساحة صراع دموية مفتوحة أمام التدخل الخارجي، ودعوة الحكومة السورية إلى التخلي عن العنف والقتل والدمار وانتهاك حقوق الإنسان، وتأكيد التضامن مع الشعب السوري والعمل على تحقيق تطلعاته في الحرية والكرامة والديمقراطية، ورفض التدخل العسكري في سوريا من أي طرف كان، والتحذير من تكرار النموذج الليبي لاختلاف سوريا عن ليبيا في الموقع والدور.
بعبارة موجزة، برز تناقض حاد بين قوى ترفض التدخل الأجنبي العسكري المباشر، وقوى تطالب بتسليح المعارضة براجمات للصواريخ ومضادات للدبابات والطائرات. وانقسم العرب بين مطالبين بالحل السياسي ومشجعين للتدخل العسكري، ومطالبين بالتزام المشاركة في العمل على إسقاط النظام السوري بكل الوسائل المتاحة، ومنها التدخل العسكري. ورأى البعض في ذلك سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، وتدخلا سافرا في مصير الشعب السوري، واعتداء على استقلال سوريا وسيادتها.
وبات انقسام المعارضة أكثر حدة، بعد أن توزعت آراء ممثليها بين مطالب بالتدخل العسكري الكامل لإسقاط النظام، ورافض بصلابة لثلاث قضايا أساسية: لا للتدخل الخارجي، لا لعسكرة الانتفاضة، ولا للطائفية والحرب الأهلية. ونبه بعض ممثلي المغارضة إلى أن العنف المفرط الذي ترتكبه قوات النظام، قاد إلى ولادة "الجيش السوري الحر" الذي يخوض قتالا شرسا مع قوات الجيش النظامي، مما سهل دخول "تنظيم القاعدة" في المواجهات العسكرية الدائرة على الأراضي السورية، وأضعف دور المعارضة السلمية بصورة ملحوظة.
فباتت الحلول العسكرية في صدارة النقاشات في مؤتمر تونس، الذي سيستكمل أعماله في تركيا بعد ثلاثة أسابيع. لكن الرهانات الخاطئة والمواقف المتناقضة، تطرح علامات استفهام كثيرة حول المؤتمر. فلمصلحة من تم تغييب جميع القوى المعارضة باستثناء المجلس الوطني؟
وهل لم يعد هناك خيار سوى تسليح المعارضة لإسقاط النظام بالقوة، بدل الدعوة إلى الحوار لحقن دماء السوريين والحفاظ على دولتهم المستقلة؟ ومن المستفيد من دخول تنظيم القاعدة إلى الأراضي السورية، والذي أكدته تقارير استخباراتية أمريكية، للقيام بتفجيرات ضخمة كتلك التي شهدتها دمشق وحلب في الأشهر القليلة الماضية؟ وهل تحويل سوريا إلى ساحة صراع دموية مفتوحة أمام تدخلات خارجية تحضيرا لحرب أهلية فيها تستمر لسنوات طويلة، هو الحل الأمثل لأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط كلها، وليس سوريا وحدها؟
لقد تجاهل البيان الختامي للمؤتمر، ذكر الممرات الإنسانية والاعتراف بالمجلس الوطني السوري كممثل شرعي وحيد للشعب السوري، وخرج بنتائج أقل مما كان متوقعا، أبرزها التمسك بالنموذج اليمني ومحاولة تطبيقه على سوريا، وتقديم مساعدات للمعارضة ودعوتها إلى توحيد صفوفها، وفرض عقوبات جديدة على سوريا، ودعوة الرئيس الســـــوري بشــــــــار الأســـــــد للتنحــي مع ضمـان حمايته وعائلته، مع التبشير المستمر منذ عام بأن أيامه باتت معدودة، والتمسك بقرارات الجامعة العربية، والمطالبة بتشكيل قوة عربية ودولية لحفظ السلام في سوريا، والدعوة إلى مؤتمر تركيا.
تمخض مؤتمر تونس عن قرارات غير فعالة، ولا تعبر عن الحد الأدنى لطموحات المعارضة التي ازدادت تفككا. لذلك رأى بعض المحللين السياسيين أن دور العرب والأوروبيين والأمم المتحدة قد انتهى، وبات مصير سوريا في مهب صراعات دولية لا يمكن التكهن بنتائجها المدمرة على منطقة الشرق الأوسط.
وبرز تساؤل مشروع في هذا المجال: هل أن التورط الأميركي العسكري المباشر أو عبر تسليح المعارضة لإسقاط النظام، سيقتصر على سوريا أم يتعداها، كما دعا كيسينجر مؤخرا، إلى تغيير الأنظمة السياسية في سبع دول عربية، وليس في سوريا وحدها؟
ختاما، شكل مؤتمر تونس تراجعا إضافيا لدور العرب وجامعة الدول العربية، بعد تفويض الأميركيين بحل الأزمة السورية على طريقتهم. لكن التدخل الأميركي المباشر رهن باستعداد أميركا لإسقاط النظام السوري بالقوة، وقد دعت تركيا للقيام بدور وساطة أخيرة، قبل أن تضع اللمسات الأخيرة على التحضير اللوجستي لتعديل موازين القوى داخل سوريا وعلى المستويين العربي والإقليمي، وإعطاء فرصة إضافية للروس والصينيين لمراجعة حساباتهم قبل فوات الأوان.