خلق الله ـ عزّ وجلّ ـ الإنسان بين حالتين؛ خير وشر. هذه السنة الربانية وتلك الطبيعة الإنسانية، لم تقتصر على الإنسان فقط، ولكنه النموذج المصغر الذي بني عليه الميزان الكوني بأكمله؛ وهو صراع الخير والشر، فليست هناك جنة على الأرض، والمدينة الفاضلة لا توجد إلا في خيال "أفلاطون" وعصره الإغريقي. لذا فالتدافع والاختلاف والتنافس الذي قد يصل إلى حد الصراع، هو قانون كوني نسلم به جميعا.
ولأن الإعلام منظومة ضمن منظومات عديدة تعكس هذا الواقع، ولأنه في غالبه يعيش على هموم الناس ويتلقف كل ما هو غريب وغير مألوف ومثير، ليكون مادته الأساسية؛ رغبة في جذب أكبر عدد من المشاهدين أو القراء وشد انتباههم، لعبا على ما يمكن تسميته "الإعلام الشعبوي"، وهو الإعلام الذي يضع رغبات الجمهور قبل القواعد المهنية أو النتائج المترتبة على ما يتم نشره..
ولأن العنف واقع موجود بين البشرية منذ وجود الإنسان على سطح الأرض، ومنذ أن سعى إلى تحقيق ما يراه صائبا أو ما يتمناه، باتخاذ كافة السبل..
فلا ضير ـ في تقديري ـ من أن تقوم وسائل الإعلام بإلقاء الضوء على جوانب العنف الموجودة في أي مجتمع، باعتبارها سلوكا بشريا، إلا أنه يجب الوقوف عند الهدف من وراء ذلك وعند أسلوب المعالجة؛ فلا يكفي أن نعرض الحدث دون تحليله لمعرفة أسبابه ومآلاته والعوامل الفاعلة فيه، فضلا عن سبل المعالجة والمصدات التي تحول دون الغرق في مستنقعه. إن خطورة عرض صور العنف المجتمعية بصورة مبالغ فيها، أو الإغراق في نشرها، قد يصيب المشاهد بحالة من اللامبالاة تجاه ما يعرض؛ لأنه بعد فترة من تكرار العرض يألف المُشاهد أو القارئ ذلك ولا تحرك فيه ساكنا، باعتبارها من مقترنات الحياة اليومية. وهذا أمر في غاية الأهمية، والأمر الثاني أن رائحة القتل وصور القتلى وحالاتهم، تتحول إلى مجرد أعداد.
وأتعجب أحيانا من وجود صحف متخصصة في نشر الحوادث، وأتساءل ما هي القيمة الحقيقية من صحيفة لا تعرض غير العنف بكافة أشكاله؟ وما هو الهدف منه؟ ثم أين هو القارئ الذي يتحمل هذا المضمون بشكل يومي؟ وما هي الفائدة الحقيقية التي تعود عليه من وراء ذلك غير الإحساس بالخوف واليأس؟
أفهم أن يكون هناك عرض للجرائم والسلوكيات المنحرفة، وتحليل أسبابها من المتخصصين في علم النفس والاجتماع والخبراء المعنيين في مختلف التخصصات، لمعالجة العلة وتصويب الخطأ وترشيد السلوك، أمّا أن تتم إشاعة ذلك من باب التسلية، أو لإيجاد مادة للحديث اليومي بين الناس، فذاك أمر آخر.
في برنامج عن الحوادث في إحدى القنوات العربية، يحكي أحد المجرمين كيف قام بارتكاب جريمته، فإذا به يقول إنه تعلم ذلك من خلال لقاء تلفزيوني مع واحد من محترفي الجريمة عبر ما أدلى به من تفاصيل دقيقة لما قام به، وهنا تحول سرد البرامج أو بعض الصحف العربية، من عرض إلى تعليم، وكأننا نقدّم دورة في كيفية ارتكاب الجرائم!
ثم إن الإفاضة في هذه النوعية من البرامج أو الكتابات، تصيب المشاهد والقارئ بحالة من الاكتئاب أو الملل العام. ولا أدعو هنا إلى إغفالها أو دفن الرؤوس في الرمال، ولكن ألا يكون همنا الأوحد ترسيخ أن استخدام العنف هو الوسيلة الأفضل والأنسب لتحقيق ما نريد أو للتغلب على إخفاقاتنا في ما أقدمنا عليه، وكأننا نعيد صياغة موقف قابيل وهابيل بصيغ وأشكال مختلفة، ويبقى المضمون والدافع واحداً!
وبداية القصة، حين نعيش أبناءنا في دائرة من العنف، بدءًا من برامج الأطفال التي نلاحقهم بها في السنوات الأولى من حياتهم، والتي تعج بمشاهد من العنف غير المبرر.. وما أن يشب الطفل قليلا حتى نحاصره بالأفلام السينمائية، وما أن يزهد في السينما حتى نقدم له العنف في البرامج وعبر الصحيفة اليومية والأخبار التي بات العنف والقتل مادتها الأساسية!
وفضلا عن العنف السلوكي، هناك ما لا يقل عنه خطورة، وهو العنف اللفظي الذي بات لازمة من لوازم الدراما التليفزيونية، وهي من أكثر الأشكال الإعلامية التي يكتسب من خلالها صغار السن والمراهقون مفردات جديدة. وانتقل ذلك بحكم العدوى الإعلامية إلى البرامج، وخاصة الحوارية منها، فما أن تأتي نقطة خلافية بين المحاور والضيف أو الضيوف فيما بينهم، حتى تجد "الاستوديو" وقد تحول إلى ساحة عراك يصل إلى السب والقذف بالكلمات وما طالت أيديهم، بين المثقفين وأصحاب الرأي، ملح الأرض المنوط بهم إصلاح الناس وتوجيههم وإعطاؤهم النموذج والقدوة! إن العنف السلوكي هو التطور الطبيعي للعنف اللفظي، والنتيجة الحتمية له دون جدال، فما يتعرض له الطفل من عنف لفظي، سواء في البيت أو المدرسة أو ما يكتسبه من خلال المشاهدة لبرامج الكبار، يكون لديه البذرة الأولى لشخصيته، ويؤثر فيه بشكل يصعب محوه.
والشاهد أن ما يدور من حوارات بين مثقفين وسياسيين عبر وسائل الإعلام، لم يستطع أن يتجاوز ذلك، حيث نجد منهم من يستخدم لغة التهديد، ومنهم من يستعين بالمذهبية، ومنهم من يستند إلى القبلية، وآخرون يقحمون الولاء والانتماء للوطن... حتى أن البرلمانات العربية لم تنج من ذلك، فتحولت إلى ساحات للصخب الشديد والتناوش بالكلمات واللكمات، رغم أن البرلمان هو المكان المعني بمناقشة مستقبل البلاد، فكيف يستقيم ذلك مع حالة تغيب فيها الحكمة، ويغلب عليها ما يمكن أن نسميه "العنف السياسي"؟ كل ذلك يهوي بالأمة إلى نتائج لا تحمد عقباها.
في يقيني أن ثقافة العنف تسود عندما يسود منطق القوة، لا قوة المنطق، عندما تغيب الحجة فتتعالى الأصوات وتغيب لغة العقل، وهي نتاج طبيعي لحالة التسطيح والتجريف الفكري، التي عاشتها أمتنا العربية لسنوات طويلة، فضلا عن انسداد الأفق وغياب المشروع الوطني.
إنني أتفهم أن يقدم الإعلام الواقع بما فيه، وألا يقدم صورة وردية مضيئة لواقع ليس كذلك في كل الأحوال، بما فيه العنف بكافة صورة، وإلقاء الضوء عليه بغرض الدراسة والتحليل لمعرفة أسبابه ومظاهره وسبل ترشيده. أما أن يقدم في إطار يدعو للمحاكاة أو التقليد لجذب الانتباه والإثارة، أو يقدم العنف لمجرد العنف بلا هدف، على غرار الفن للفن والضحك للضحك، فذلك ما لا يمكن فهمه أو تبريره.