كم من أصحاب المليارات يسعون لشراء الانتخابات الرئاسية؟ الأميركيون على وشك معرفة الإجابة. من المرجح أن تكون حملة عام 2012 معركة بين مجموعة من أصحاب الملايين والمليارات المساندين للرئيس الأميركي باراك أوباما ومجموعة أخرى مساندة للمرشح الجمهوري الذي ينافسه.

وربما كانت هذه هي النتيجة الحتمية للقرار الغريب الذي توصلت إليه المحكمة العليا في قضية «المواطنون المتحدون» ضد «لجنة الانتخابات الفيدرالية» في عام 2010، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام إنفاق الأموال بلا قيود على الحملات الانتخابية من خلال ما يسمى «لجان العمل السياسية». إلا أنني لست متأكدا. ماذا لو ظل أوباما متمسكاً بموقفه، وتجنب لجان العمل السياسية العليا؟

ولكن الرئيس أوباما، مع الأسف، استسلم أخيراً. إذ صادق على لجنة عمل سياسية عليا تم تشكيلها لضخ الأموال غير المقيدة من القطط السمان إلى حملته الانتخابية. وأظهر مدى سخافة اعتقاد المحكمة الساذج بأن لجان العمل السياسية العليا ستبقى منفصلة عن الحملات الفردية.

وذلك من خلال سماحه لمدير الحملة جيم ميسينا بل ومسؤولي إدارته بالتحدث في مناسبات لجان العمل السياسية العليا الخاصة به. ولن يظهر اوباما في مثل هذه المناسبات، إلا أنه، وزوجته ميشيل أوباما، ونائبه جو بايدن سيشجعون دعم اللجنة العليا المساندة له.

لم فعل ذلك؟ لقد أوضح مساعدو أوباما في حملته الانتخابية أنهم فوجئوا بالسهولة التي تمكنت بها لجنة ميت رومني من تسليم ولاية فلوريدا له، ودفع نيوت غينغريتش من المركز الأول إلى المركز الرابع في ولاية ايوا. ولاحظوا حقيقة أن ما أنفقته لجان العمل السياسية الجمهورية فاق ما أنفقه المرشحون الجمهوريون أنفسهم في العديد من الانتخابات التمهيدية الأولى. وقال ميسينا: إنهم لا يريدون أن «ينزعوا السلاح من جانب واحد» من خلال عدم استخدامهم الأسلوب نفسه.

لا أعتقد أن رفض أوباما لأن يلعب لعبة انتخابات أصحاب المليارات كان سيكون بمنزلة نزع للسلاح من جانب واحد. وقد أثبت أوباما أنه جامع تبرعات ناجح إلى حد كبير، لا سيما مع الجهات المانحة الصغيرة. إذ تمكن من جمع مبلغ لم يسبق له مثيل (745 مليون دولار) لانتخابات عام 2008، بما في ذلك كمية غير مسبوقة من التبرعات الصغيرة، وهو قد جمع بالفعل أكثر من 225 مليون دولار لحملة عام 2012.

 ولو أن أوباما استمر في تجنب لجان العمل السياسية، لكان قد أطلق صيحة من شأنها أن تحشد جميع الأميركيين تقريبا وراءها، وهي أن «المزيد من ثروات البلاد وسلطتها السياسية يقبع الآن في أيدي الشركات الكبرى، وفي أيدي أقل عدد من الناس منذ عهد البارونات اللصوص في العصر الذهبي. وأنا لن أسمح لهذا الأمر بأن يفسد ديمقراطيتنا! وسأحارب في سبيل استعادة ديمقراطيتنا»!

وكان يمكن لأوباما أن يسلط الضوء على أبرز خيار يواجه أميركا على امتداد قرن كامل، وهو إما اقتصاد وديمقراطية تهيمن عليهما الثروات الهائلة، أو اقتصاد وديمقراطية يعملان لمصلحة الجميع. وهل هناك طريقة أفضل لتهويل هذا الخيار من تخيير أميركا بين حملة سياسية ممولة من قبل الملايين من صغار المتبرعين، وبين حملة جمهورية تدعمها حفنة من أكثر الأميركيين نفوذا وجاها؟

ويعد أصدقاء رومني في وول ستريت وفي الأجنحة التنفيذية لأكبر الشركات على مستوى البلاد من أغنى أغنياء أميركا. إذ حصلت لجنة العمل السياسية المساندة لرومني على 18 مليون دولار من 200 متبرع فقط خلال النصف الثاني من العام الماضي، بما في ذلك شيكات تصل قيمة الواحد منها إلى مليون دولار، مقدمة من عدد من عمالقة صناديق التحوط والصناعيين والمصرفيين. وإذا كان رومني المرشح الجمهوري، فإن الأموال ستتدفق إلى حملته الانتخابية من جانب أقل عدد من الأميركيين فاحشي الثراء كما لم تتدفق من قبل على امتداد التاريخ الأميركي.

ولو أن أوباما اتخذ موقفا قويا ضد هذا، فإنني أخمن أن الأميركيين العاديين كانوا سيغرقون حملته بالتبرعات الصغيرة بما يكفي للتغلب على أصدقاء الملياردير رومني. وكان ذلك سيعطي الشعب فرصة لأن يتم الإصغاء إليه، وكان الشعب هو من سينعقد له لواء الفوز.

ولكننا لن نتحقق من ذلك أبدا. فبعد أن قرر أوباما تبني لجان العمل السياسية العليا، يتدفق المال الوفير كما لم يحدث من قبل.

ووصف الرئيس الحكم في قضية «المواطنون المتحدون» بأنه يشكل تهديدا للديمقراطية. وفي حال تمت إعادة انتخابه وكان صادقاً بشأن مخاوفه، فسيتعين عليه أن يقدم الدعم لنظام تمويل عام من شأنه أن يمكن المرشحين من جمع ما يكفي من المال من صغار المتبرعين ومن الصناديق العامة الموازية، بحيث لا يضطرون إلى الاعتماد على حفنة من أصحاب المليارات الذين يضخون مبالغ مالية غير محدودة إلى لجان العمل السياسية العليا.

وإضافة إلى ذلك، سيتعين عليه أن يناضل من أجل الكشف العلني عن جميع التبرعات، بما في ذلك التبرعات المقدمة للجان العمل السياسية. كما سيتعين عليه أن يلتزم بترشيح قضاة في المحكمة العليا من شأنهم أن يعكسوا قرار «المواطنون المتحدون». وسيتعين عليه أيضاً أن يقدم دعمه الكامل لإجراء تعديل دستوري من شأنه أن يجعل عملية التصويت تشمل المواطنين الأميركيين فقط، لا الشركات.

وآمل أن يظهر للجمهور أنه، على الرغم من الدعم المقدم من جانب أسمن القطط على وجه المعمورة، سيواصل نضاله من أجل نظام ضريبي يلزم أصحاب الملايين والمليارات بدفع نصيبهم العادل من فواتير البلاد.

وينادي أحد مستشاري أوباما بأن إقدام الرئيس على تأييد لجنة العمل السياسية العليا الخاصة به بشكل علني كان له تأثير فوري. وقال: «إن متبرعينا يفهمون الأمر»، مضيفاً: إنهم يريدون الآن أن «يحاربوا الجانب الآخر».

هذه هي المشكلة تماماً. فعندما تريد حفنة من أثرياء الديمقراطيين محاربة حفنة من أثرياء الجمهوريين، نترك نحن على الهامش. وإذا تم تهميشنا في الانتخابات، فإننا قد نترك على هامش ديمقراطيتنا.

وكما قال الفقيه الكبير والقاضي في المحكمة العليا لويس برانديز: «إما أن ننعم بالديمقراطية في هذا البلد أو بثروة كبيرة متركزة في أيدي قلة من الأميركيين، ولكن لا يمكننا أن ننعم بالاثنين معاً».