جاءت الثورات العربية في ظل أوضاع عالمية بالغة الأهمية أفرزتها نهاية حقبة الحرب الباردة حيث اختلت توازنات القوة في العالم على المستويين الآيديولوجي والسياسي لصالح الغرب بقيادة الولايات المتحدة التي أصبحت الدولة القائدة في العالم دون منازع. إلا أن ذلك قد خلق فراغاً كبيرا جعل السياسة الخارجية الأميركية دون إستراتيجية واضحة تستطيع في ضوءها التنبؤ بمسارات الأحداث لمواجهتها بخطط موضوعة سلفاً.

فقد فاجأت هذه الثورات التي اندلعت أوائل عام 2011 الدول الغربية وأربكتها، لذا أتسمت مواقفها في الأيام الأولى بالتردد خاصة أن الثورتين الأوليين، في تونس ومصر، استهدفتا نظامين حليفين للغرب. إلا أن ذلك التردد لم يدم طويلاً، فقد أسرعت هذه الدول في إعادة النظر بسياساتها في المنطقة وحسمت موقفها من منطلق براغماتي، وقررت التخلي عن رهاناتها على الماضي وقررت الرهان على المستقبل.

فالانفتاح الإيجابي الغربي الحذر على مطالب الثورة التونسية ثم الثورة المصرية تحول إلى انفتاح شبه تام على مطالب الجمهور الثائر في ليبيا واليمن وسوريا إلى الدرجة التي مهدت الطريق لتدخل عسكري لحلف الأطلسي بغطاء دولي في ليبيا. الولايات المتحدة ذات المصالح الواسعة والمتشعبة في الشرق الأوسط كانت الأكثر اهتماماً بما يجري في ساحاته.

فقد تصدرت أخبار «الربيع العربي» نشرات ثلاث شبكات إخبارية تلفزيونية أمريكية كبرى هي «أي بي سي» و «سي بي إس» و«إن بي سي» متجاوزة بذلك أخبار الكارثة التسونامية - النووية في اليابان والزواج الملكي في بريطانيا ومقتل بن لادن وغيرها من الأحداث المهمة التي وقعت في عام 2011.

فقد أشغلت أحداث الربيع العربي 10 في المئة من مجمل التغطية الإخبارية التي قدمتها هذه الشبكات الإعلامية الثلاث عن جميع الأحداث التي جرت في العالم، هذا ما ورد في التقرير السنوي لمركز «تيندال» الأميركي حيث بلغت حصة ليبيا من التغطية الإعلامية 700 دقيقة وحصة مصر 500 دقيقة وحصة سوريا 143 دقيقة وحصة اليمن 29 دقيقة فقط.

ولكن في ضوء هذا الاهتمام المتميز بما جرى في دول الربيع العربي، ما هي شكل العلاقات التي ستقيمها الولايات المتحدة مع الحكومات التي ستتمخض عنه؟. '

فهي تفتقر إلى الحلفاء خارج مؤسسات النخب التقليدية الحاكمة التي أنشأت معها علاقات إستراتيجية على مدى أمد طويل على الرغم من أنها من الناحية الأيديولوجية لا تتفق، بل تصطدم، مع الكثير من طروحاتها. فمن الناحية النظرية تعتبر التيارات الفكرية الأكثر قرباً للغرب، للولايات المتحدة بشكل خاص، هي التيارات الليبرالية الأكثر تأثراً بالفكر الغربي والأكثر اقتباسا لممارسات مجتمعاته.

ولكن هذه التيارات من الناحية العملية ضعيفة التأثير في المجتمعات العربية ويقتصر تأثيرها في النخب المثقفة داخل المدن الكبيرة. من جانب آخر تدرك الولايات المتحدة بأن الثقافة السائدة في هذه المجتمعات تسهم إلى حد كبير، خاصة في المرحلة الراهنة، في تحجيم هذه التيارات وحصر دورها ونفوذها في محيط ضيق يجعلها غير قادرة على الظهور على المسرح السياسي بأصوات الناخبين في اللعبة الديمقراطية التي تروجها.

لهذه الحقيقة أهمية كبيرة في التكهن بالإستراتيجية الجديدة التي ترسمها الولايات المتحدة، إذ يبدو أنها أصبحت أقل ميلاً للتحالف مع تيارات أو أحزاب تقليدية وأكثر ميلاً للتحالف مع جمهور واسع حول مبادئ عامة لا يستطيع أي تيار سياسي المجاهرة بالعداء لها.

وهي القضايا التي تتعلق بحقوق الإنسان وحرياته من خلال منظمات المجتمع المدني التي بدأت تلعب دوراً متزايداً في الحياة العامة في المجتمعات العربية على الرغم من أنها لا تزال حديثة الولادة ولم تتجذر بعد لتصبح من أعمدة ثقافة المجتمع.

حقبة ما بعد الثورات في العالم العربي تطرح تحديات من نوع جديد أمام الغرب في وقت لم يتهيأ لمؤسساته الفكرية المجال لإعداد الدراسات المعمقة لمواجهتها. فقد فاز في تونس حزب النهضة الإسلامي وتمخضت الانتخابات المصرية عن تقدم الأحزاب الدينية المحافظة، الإخوان المسلمين والسلفيين، ومن المتوقع أن يحصل الشيء نفسه في اليمن وليبيا وفي سوريا كذلك في حالة سقوط النظام، حكومات تسيطر عليها أغلبية إسلامية جلبتها العملية الديمقراطية التي روجت لها الولايات المتحدة.

فحين قررت الولايات المتحدة رفع مظلة الحماية للأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي التي تواجه تحديات خطيرة، فقد أبدت من خلال الأخذ بهذا الخيار استعدادها لمد جسور المصالحة مع القوى الإسلامية التي طالما نظرت إليها بحذر واستعلاء ولم تكن في حساباتها سوى التعامل معها كأدوات تخدم مصالحها في مجالات محدودة كما حصل في أفغانستان خلال الحكم الموالي للإتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن المنصرم.

إلا أن الانفتاح الأميركي على القوى الإسلامية يخضع لأحد أبرز الثوابت في الإستراتيجية الغربية وهو عدم التفريط بالهيمنة على منطقة الشرق الأوسط مهما كانت العقبات والتحديات وضمان أمن إسرائيل وعدم المساس بالاتفاقيات المعقودة معها.

من جانب آخر من الصعب تصور تخلي الولايات المتحدة عن القوى الأكثر فاعلية في العالم العربي وهي القوات المسلحة والقوى الجديدة التي برزت مع الثورات العربية والتي لم تنجح في الوصول إلى موقع المساهمة في صناعة القرار على الرغم من قدراتها في تحريك الشارع.

من هذا المنطلق قد تكون جسور المصالحة مع الإسلاميين شبيهة بالجسور التي تقيمها الجيوش في عملياتها فوق الممرات المائية، جسور تنتفي الحاجة إليها بعد عبور القطاعات العسكرية. فالطرفان الأمريكي والإسلامي يدركان مدى هشاشة الروابط التي يمكن أن يبنياها بسبب التباين الواسع في الرؤى وفي الأهداف وفي المعايير المعتمدة لتحديد المواقف في المحافل الدولية.

وفي حال تمكن بعض القيادات في الحركات الإسلامية من إيجاد صيغ للتعايش مع الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة فهي لن تكون بمنجاة من الاصطدام مع قواعدها التي لا تنظر إلى الولايات المتحدة وسياساتها في المنطقة نظرة ودية.

فماذا لو فشلت الولايات المتحدة وحلفاءها في ترويض الإسلاميين الصاعدين إلى الحكم في دول الربيع العربي؟ فهل ستفرط بمصالحها الإستراتيجية في هذه المنطقة الحيوية من العالم أم ستعود المنطقة إلى حقبة الانقلابات العسكرية؟