كانت التقارير الدولية تشير إلى وجود أكثر من ملياري إنسان في العالم يعيشون عند خط الفقر أو ما دونه، وبمدخول لا يتجاوز أحيانا الدولار للفرد الواحد في اليوم. وكانت تلك الإحصائيات تركز على الدول الفقيرة والنامية في القارات الأربع، باستثناء أوروبا التي كانت تصنف في طليعة الدول المتطورة وذات الطبقة الوسطى العريضة.
بمناسبة اليوم العالمي للغذاء في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة (الفاو)، من استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية لما لها من آثار سلبية على الأمن الغذائي في الدول النامية. وأشارت الدراسة إلى وجود أكثر من سبعين مليون إنسان يعيشون في فقر مدقع، وأن الأشخاص الذين يعيشون بأقل من دولار ونصف في اليوم، سيكونون مجبرين على التخلي عن إحدى الوجبات اليومية، بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
ويشكل عدم استقرار الأسعار تهديدا من الدرجة الأولى، بالنسبة للسكان الأكثر فقرا في العالم. ويعتبر نقص التمويل في المشاريع الزراعية والتزايد السريع للسكان، من الأسباب التي ترفع أسعار المواد الغذائية. لذا لا بد من مواجهة تلك المشكلة لتلافي انعكاساتها السلبية على معيشة الأفراد واستقرار الدول، علما بأن استقرار سوق المواد الغذائية رهن بالاستثمار الكثيف في الزراعة، لا سيما في البلدان النامية حيث يعيش قرابة 98% من الأشخاص الذين يعانون من المجاعة، مما يستوجب مضاعفة إنتاج المواد الغذائية لتغذية السكان.
لكن جديد السنتين المنصرمتين 2010 و2011، هو أن أوروبا التي كانت تصنف كأغنى قارة في العالم، تعاني اليوم من تزايد نسبة الفقراء فيها. فقد كشفت وكالة يوروستات للإحصاءات، أن حوالي 115 مليون أوروبي عانوا من الفقر في العام 2010، وهي نسسبة تزيد على 23% بين سكان دول الاتحاد الأوروبي. ونبهت الوكالة إلى أن معاناة شعوب الاتحاد الأوروبي، تقترب بسرعة قياسية من معاناة شعوب دول العالم الثالث وأزماته التي لا حصر لها، في العمل والسكن والطبابة والغذاء.
مرد ذلك إلى أن الأزمة المالية التي انفجرت في الولايات المتحدة عام 2008، انتقلت بسرعة إلى أوروبا لتزيد من أزماتها الاقتصادية والمالية، وتؤثر بالتالي على خطط التنمية البشرية فيها. وبرز مظهران لتلك الأزمة: بلدان أوروبية تعيش على حافة الإفلاس كاليونان وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، وبلدان تعاني من الأزمة المتفاقمة لليورو كعملة موحدة لدول الاتحاد الأوروبي.
والمحصلة العامة، ذات دلالة إنسانية كبيرة. فعندما تصل نسبة الفقر إلى قرابة ربع سكان الاتحاد الأوروبي، فهي ستكون مرتفعة جدا في القارات الأخرى، مما يستوجب دق ناقوس الخطر للحيلولة دون وقوع كوارث بشرية كبيرة في السنوات القادمة.
فأكثر من نصف سكان الكرة الأرضية باتوا مهمشين ومهددين بالفقر، وعدد العاطلين عن العمل إلى إرتفاع كبير على المستوى الكوني. كما أن تسرب ملايين الأولاد من صفوف الدراسة إلى سوق العمل، بات مسألة حتمية. ودلت أرقام يوروستات على أن عدد الأولاد الذين صنفوا في خانة الفقر أو التهميش الاجتماعي في الاتحاد الأوروبي عام 2010، بلغ قرابة 27% ممن هم دون الثامنة عشرة. وهناك ملايين الأطفال من الذين لن يجدوا لهم مأوى، ولا مدرسة ولا رعاية. فثمة ثمانون ألف طفل يعانون من الإهمال نتيجة الفقر، في بلد غني ومتطور جدا كألمانيا. وهناك مسنون معرضون للموت، بسبب الأزمة الحادة التي تعصف بدول أوروبية هي الآن عرضة للافلاس التام. فنسبة المهددين بالفقر في كل من بلغاريا ورومانيا، تزيد على 40% من حجم السكان. وتعاني الدول التي كانت الأكثر، غنى كالسويد والنمسا وفنلندا وتشيكيا، من ارتفاع في نسبة الفقر وصلت إلى قرابة 15% من سكانها.
ورغم تلك الأزمات، خفض برنامج الغذاء الأوروبي عام 2011 مساعداته للفقراء بنسبة 76%، وتراجع تمويله للمنظمات الزراعية الأوروبية المشتركة بصورة كبيرة. تضاف إلى ذلك الكوارث الطبيعية في العام 2012، كتساقط الثلوج بكثافة، خاصة في شرقي أوروبا، مع نقص حاد في التدفئة وصعوبة إيصال المواد الغذائية للمنكوبين، مما أودى بحياة مئات الفقراء قبل أن يتضح الحجم النهائي للمأساة. ويلاحظ تراجع واضح في شعور التضامن بين الناس إبان الأزمات، وهو الذي أنقذ اليابان من كارثة كبيرة بعد زلزال 2011 وما تبعه من تسونامي وتسرب الإشعاعات النووية.
بقي أن نشير إلى أن البطالة المتزايدة في صفوف خريجي الجامعات والمعاهد الأوروبية، تجاوزت نسبتها 53%، والأجور المتدنية، والفساد الإداري والمالي، والتراجع الحاد في الخدمات الاجتماعية، والتعدي على رواتب المتقاعدين، زادت من حدة الأزمة. وبسبب الارتفاع الحاد في كلفة السكن، بات شراء المنازل يراود شباب أوروبا الذين يدخلون سوق العمل ولا يجدون مسكنا لهم داخل المدن الكبرى أو في ضواحيها، بالإضافة إلى تراجع نسب التعليم وفرص التدريب على المهارات، وازدياد مشكلات الإدمان على المخدرات والكحول، ومعدلات الجريمة، والسرقات، وغيرها. ولم يعد بمقدور المنظمات والجمعيات الخيرية، الدينية والاجتماعية، تخفيف هول المأساة عبر تقديم بعض وجبات الطعام والشراب والمأوى للمحتاجين.
لقد رفع الاتحاد الأوروبي مؤخرا شعار: "2012 عام مكافحة الفقر والتهميش الاجتماعي في أوروبا". وكان رفعه سابقا عام 2010، دون أن يخفف من هول المأساة الإنسانية الناجمة عن تصاعد حدة الأزمة وتأثيراتها السلبية، على العائلات المتوسطة والفقيرة.
وبعد أن اجتاح الفقر جميع الدول النامية منذ قرون طويلة، أدخلت الأزمة العامة للرأسمالية دول الاتحاد الأوروبي في دائرة الدول المعرضة لأزمات اجتماعية حادة، يصعب الخروج منها من خلال القيام بإصلاحات بسيطة تجمل وجه النظام الرأسمالي العالمي، دون أن تغير ركائزه البنيوية وآليات عمله. فنسبة الفقراء قاربت ربع سكان دول الاتحاد الأوروبي عام 2012. وبالإضافة إلى المسنين والعاطلين عن العمل، فإن غالبية الفقراء الجدد هم من النساء اللواتي يعانين من تمييز فاضح في مجالات عدة كالأجور، والقبول في سوق العمل، والحصول على العناية الطبية، والتراجع المريع في الخدمات الاجتماعية، وهي الركائز التي ساهمت سابقا في توسيع دائرة الطبقة الوسطى واستقرار غالبية الدول الأوروبية لعقود طويلة.
ختاما، حوّل قادة النظام الرأسمالي عالم اليوم إلى مجموعات صغيرة جدا من الأغنياء الجشعين الذين يملكون مليارات الدولارات، تحيط بهم أعداد هائلة من الفقراء، والمشردين، والمهمشين، والعاطلين عن العمل. ولم تعد الحلول الترقيعية المعتمدة، قادرة على الحد من حجم المأساة البشرية على المستوى الكوني، والتي تتطلب تغييرا بنيويا جذريا في النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المهيمن.