يبدو أن ميت رومني يملك من دهاء السياسة الخارجية ما يملكه شخص زار "يورو ديزني" في يوم من الأيام، وذلك يفزعني. وهذا لا يعني أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يعد أكثر اطلاعا على تلك الجبهة، ولكنه يبدو على الأقل وكأنه يدرك حدود إمكاناته، حيث يوكل مهمات القيادة الأجنبية إلى الفرنسيين، والبريطانيين، وهيلاري كلينتون، والمتعاقدين الخاصين.

ولم يسبق للعالم أن كان مترابطاً بهذه الصورة، مع اتسام السلطة والنفوذ بالطابعين اللامركزي والإقليمي. ولم يعد بالإمكان حل مشكلات أميركا، سواء الاقتصادية أو غير الاقتصادية، من الداخل، كما لم يعد بالإمكان الاعتماد على الحكمة التقليدية والنظام التقليدي للأشياء، على نحو يمكن التنبؤ به. وشهدت بريطانيا مثالا على ذلك مؤخراً، عندما خسرت عقد طائرات مقاتلة هندية لصالح جارتها فرنسا، التي ستتقاسم معها السفن الحربية، لأن كلا منهما يعاني من الإفلاس. وجاءت خيبة الأمل هذه، بعد إنفاق بريطانيا نحو 443 مليون دولار سنويا على مساعدات لمستعمرتها السابقة. ووصف وزير المالية الهندي تلك المساعدات بـ"الفول السوداني".

ومع ذلك، ها هو رومني يؤكد على أهمية إعادة "العلاقة الخاصة" بين بريطانيا والولايات المتحدة، باعتبارها "أساساً للسلام والحرية"، في ورقة سياسة خارجية بيضاء، فيما يبدو كوسيلة لكسب نوع من الأفضلية الاستراتيجية، في عالم تتغير فيه الولاءات المؤقتة حسب الحاجة، أكثر مما يغير رومني تسريحة شعره.

ويشعر رومني أيضاً، بحسب ورقته البيضاء، أنه بحاجة إلى التنسيق مع المكسيك لوضع حد لمشكلات المخدرات والحدود. وينبغي له أن يرسل دعوة "للتنسيق" مكتوبة بخط فاخر، وربما سينجح ذلك هذه المرة. ونأمل أنه يعني أن تقوم الولايات المتحدة بـ"إقراض" قواتها الخاصة للمكسيك، من أجل بعض "واجبات الحراسة الخفيفة"، لأنه على حد علمي، فإن هذا هو النوع الوحيد من التنسيق الذي لم يتم تجريبه لحل هذه المشكلة.

ويشير رومني باستمرار، إلى "القوة الناعمة" الأميركية باعتبارها قوة تغيير في العالم، ويقول إنه سيعزز دور الدبلوماسيين المحليين. ولا يشكل الموظفون الإداريون "القوة الناعمة" في عالم اليوم، ولكن العمل والمال يشكلانها.

ويمثل ضمان "تأييد الحكومتين الباكستانية والأفغانية"، استراتيجية رومني الكاملة للتغلب على التمرد في أفغانستان، وأضاف "إننا لن نقنع أفغانستان وباكستان بأن تكونا حازمتين، إلا إذا أقنعناهما بأن الولايات المتحدة ستكون هي نفسها حازمة". ماذا؟ ألم تكن عشر سنوات من التضحية العسكرية الأميركية ومليارات الدولارات من المساعدات مقنعة بما فيه الكفاية؟

وتعد الهيمنة الصينية مصدر قلق بالنسبة لرومني، الذي "سيطبق استراتيجية تجعل مسار الهيمنة الإقليمية بالنسبة للصين، أكثر تكلفة من المسار البديل المتمثل في تحولها إلى شريك مسؤول في النظام الدولي". وهذا الضجيج الذي تسمعونه، صادر عن كتابة الحكومة الصينية لرسالة نصية تقول "هذا مضحك للغاية يا ميت!" على هواتف "آي فون" الخاصة بها، والمصنوعة في الصين.

وبالمثل، فإن رومني يأمل أن يضع حداً للسلطة الروسية، من خلال "تنفيذ استراتيجية ستسعى إلى تثبيط السلوك العدواني أو التوسعي من جانب روسيا، وتشجيع الإصلاحات السياسية الديمقراطية والاقتصادية". وهو لا يقول على وجه الدقة، كيف سيتمكن من وضع روسيا في هذا الموقف.. ومن المفترض أنه سيطلب منها ذلك بطريقة مهذبة فحسب.

وفي ظروف غامضة أعقبت تهديد الأمم المتحدة الأخير بالتدخل العسكري في سوريا، عبثت شركة "غازبروم" الروسية بصنبور الغاز الطبيعي الذي يتدفق إلى أوروبا، وذلك في وقت وصلت فيه درجات الحرارة إلى مستوى قياسي من الانخفاض، ووصلت الأسعار إلى مستوى قياسي من الارتفاع. وفي هذه الأيام، حين تضرب شيئاً ما على رأسه، ينشأ الصداع في المكان الذي لم تكن تتوقعه.

وإذا كانت هذه السياسة الخارجية الساذجة التي يقترحها رومني، هي قمة ما يمكن لأميركا أن تنتظره من أبرز مرشحيها الرئاسيين، فإننا واقعون في مشكلة أكبر بكثير مما قد تدركه عقولنا.