الفيتو الروسي الصيني المزدوج لإحباط المشروع العربي ـ الغربي المعد ضد النظام القائم في سوريا، يفتح الأبواب على جملة من التكهنات حول مبرراته وتداعياته. فقد جاء هذا الفيتو بعد جهود دبلوماسية كبيرة، قام بها عدد من الدول الغربية بالتنسيق مع الجامعة العربية ومع دول مجلس التعاون الخليجي، لتهيئة المناخ الملائم لتمرير المشروع، بعد أن أجري الكثير من التعديلات على صيغته الأولية، لجعله أكثر قبولاً لدى روسيا والصين.
ردود الفعل الفورية لهذا الفيتو، كانت غضباً عارماً على أعلى المستويات في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول الجامعة العربية، فقد أدلت سوزان رايس مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، بتصريح غير مسبوق تعليقاً على الموقف الروسي الصيني، بالقول "إنه يبعث على الاشمئزاز"، في مؤشر لتردي العلاقات بين واشنطن وموسكو، بعد سنوات طويلة من محاولات الطرفين بناءها على أسس إيجابية.
دوافع روسيا والصين لهذا القرار هو تحدي الغرب، وبالأخص الولايات المتحدة، فهما لا ترغبان في تأييد أي مشروع فيه مساس بشرعية النظام السوري القائم، لأنهما لا تستبعدان وجود أصابع الولايات المتحدة وحلفائها وراء عمليات التمرد والتصعيد في المدن السورية.
للصين مصالح تجارية كبيرة في سوريا، حيث تعتبر المجهز الأول لأسواقها، إذ يبلغ ما تستورده سوريا من البضائع الصينية قرابة المليار دولار سنوياً، وفق مكتب الإحصاءات السوري، إلا أن هذه المصالح ضئيلة مقارنة بالمصالح الروسية في سوريا. فروسيا لها مصالح ذات طابع استراتيجي، لأن سوريا هي الحليف الوحيد المتبقي لها في منطقة الشرق الأوسط بعد انهيار حلفائها الآخرين.
وهي لا تريد أن ترى هذا الحليف الأخير يسقط صريعاً في مسرح تسهم في إعداد سيناريوهاته، بشكل أو بآخر، كما حصل في العراق وليبيا. ولروسيا مصالح أخرى في سوريا، فهي المُورد الرئيس لسلاحها منذ عدة عقود، ولم يعد لأسطولها البحري قاعدة يرسو عندها في البحر الأبيض المتوسط، سوى القاعدة البحرية السورية في ميناء طرطوس.
كما أن هناك سبباً مهماً آخر للفيتو الروسي، وهو أن البديل للنظام القائم في سوريا ليس مما ترحب به موسكو، فالحركات الإسلامية التي أصبحت الكاسب الأكبر من الربيع العربي، مرشحة للوصول إلى الحكم في حالة انهيار نظام الأسد، وهو ما يقلق روسيا حول وضعها الأمني الداخلي، سيما أن الأقلية الإسلامية في روسيا التي يقدر حجمها بما يقرب من 15%، هي الأكثرية في الشيشان وداغستان والأنغوش.
وفي مناطق القوقاز الأخرى. هذا إضافة إلى المخاوف التي تعتري موسكو على أمنها القومي، من انتقال الحركات الإسلامية إلى جمهوريات آسيا الوسطى، ذات الأكثرية الإسلامية، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق.
والتي تشكل بعداً أمنياً لروسيا. فالحركات الإسلامية الصاعدة ليست لديها أجندة معادية للغرب، بل هي أقرب إليه من أي وقت مضى. لذلك ترى موسكو أنها أمام هجمة كبيرة المستفيد منها، إن لم يكن من يقودها، هو الولايات المتحدة، الخصم والمنافس التقليدي لها في منطقة الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ثمة أمر آخر له دور في صناعة الفيتو الروسي، هو تعزيز فرص رئيس الوزراء فلاديمير بوتين للعودة للرئاسة في الانتخابات الرئاسية القريبة، بعد تراجع ملحوظ في شعبيته في الآونة الأخيرة. فقد شهد الرابع من فبراير الجاري.
وللمرة الثالثة خلال شهرين خروج عشرات الآلاف من المتظاهرين في موسكو مطالبين برحيله، في مؤشر مهم لما يعانيه ثنائي بوتين ـ مدفيديف من متاعب قي مسرحية تبادل المواقع التي يزمعون إعادة عرضها. فالفيتو يعتبر في نظر أوساط واسعة من الشعب الروسي، الذي يشكو من الإحباط، بمثابة رد الاعتبار بعد أكثر من عقدين منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وتراجع دور روسيا وأهميتها في صياغة السياسة العالمية.
من جانب آخر، فإن تداعيات الفيتو يمكن أن ترصد من خلال محورين أساسيين؛ أولهما مدى أهميته في ضمان بقاء النظام السوري وسلامته، وثانيهما عن مدى تأثيراته على العلاقات بين الشرق والغرب ودرجة إسهامه في إذكاء الحرب الباردة؟
فبالنسبة للمحور الأول، من المستبعد جداً أن تتراجع الثورة السورية، خاصة بعد أن أخذت حجماً كبيراً على المستويين العربي والدولي، وأصبح من الصعب على هؤلاء التخلي عن مساندتها، وسيعملون في ضوء الفيتو الروسي ـ الصيني، على إيجاد بدائل خارج المنظمة الدولية، للتدخل في الساحة السورية، وهو ما اتضح بعض ملامحه في تشكيل ما سُمي مجموعة أصدقاء سوريا. وفي حالة بقاء النظام، وهي فرضية جدلية لإثراء النقاش، فسيبقى معزولاً ضعيفاً لا تنتفع روسيا من بقائه، بل على العكس من ذلك تمعن مساندتها له في عزلتها سياسياً واقتصادياً، فقد أصبحت مساندة أنظمة شمولية، في حقبة ما بعد الحرب الباردة، خارج سياقات حركة التاريخ.
أما ما يتعلق بالمحور الثاني، وهو احتمالات عودة الحرب الباردة، فهو أمر غير مستبعد، إلا أن شكل هذه الحرب وآليات التحكم في مداخلها ومخارجها، لن تكون كما شهدها النصف الثاني من القرن العشرين، حيث كان لدى الاتحاد السوفييتي ما يثير قلق الغرب على مصالحه. فلم تعد روسيا دولة تحمل أيديولوجية سياسية ـ اقتصادية ـ اجتماعية، تتميز بها عن النظام التقليدي السائد في الدول الغربية. سيكون الخلاف.
كما هو الحال الآن، حول مصالح اقتصادية تحرص روسيا على ضمان بقائها أو تعويضها بشكل أو بآخر، وهي على أية حال شؤون قابلة للأخذ والرد والمساومة. ورغم ذلك فإن الاحتكاك المباشر غير مستبعد، إذ لم تكن جميع الحروب التي شهدها العالم عبر تاريخه، نابعة من صراعات أيديولوجية. فالحروب التي شهدتها القارة الأوروبية في القرن المنصرم، كانت بين من ينتمون إلى المؤسسة العقائدية نفسها.
لنا، أخيراً، أن نتساءل عما سيحدث لو أن الفيتو لم يتخذ، فهل سيرحل النظام السوري؟ الجواب عن ذلك هو "كلا" بالتأكيد، فرحيله بشكل طوعي أمر مستبعد جداً، ولن يكون أمام مجلس الأمن الدولي سوى أحد خيارين لتنفيذ القرار؛ التدخل الخارجي باستخدام القوة وتحييد الآلة العسكرية السورية كما حدث في ليبيا، أو العمل على تغيير النظام من الداخل عن طريق استمالة قيادات عليا في الجيش السوري نفسه.