نشرت بعثة الأمم المتحدة في العاصمة العراقية، في السابع من ديسمبر المنصرم، التقرير الذي صدر عن الأمين العام للأمم المتحدة حول أوضاع المدنيين في العراق، والذي عبر فيه عن قلقه البالغ على أوضاعهم جراء العنف الذي يزهق أرواحهم.
ويعتبر هذا التقرير هو الأول الذي يصدر عن الأمين العام، بعد القرار الذي اتخذه مجلس الأمن في وقت سابق من العام المنصرم، بالطلب من الأمين العام إعلامه كل أربعة أشهر عن التقدم الحاصل في العراق، والمسؤوليات الموكلة لبعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة للعراق.
وقد أشار التقرير الذي يقع في 22 صفحة، إلى أن العنف في العراق قد تراجع في الأشهر الأربعة التي سبقت صدور التقرير، إلا أن المجاميع المعارضة المسلحة لا تزال قادرة على شن هجمات منسقة ومعقدة، يتراوح عددها بين 500 و700 عملية شهرياً.
ومع أن التقرير تطرق إلى قضايا كثيرة ذات صلة بأوضاع العراق الأمنية والقانونية ومدى انسجامها مع المعايير الدولية، إلا أن أبرز ما ذهب إليه هو مطالبة الحكومة العراقية بالعمل على "إنشاء المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان".
كما طالب التقرير كلا من حكومة بغداد المركزية وحكومة إقليم كردستان بـ"أن تضع كل منهما الصيغة النهائية لخطة عملهما الوطنية والإقليمية لحقوق الإنسان في أقرب فرصة ممكنة، مع تضمينها التوصيات التي قدمتها منظمات المجتمع المدني العراقية".
ولم يخلُ التقرير من توجيه النقد للحكومة بسبب قيام أجهزتها الأمنية بممارسات قمعية ضد التظاهرات، واستخدامها العنف مع ناشطين سياسيين وإعلاميين، وإهمالها لحالة السجون والمعتقلات ومراكز الحجز الأخرى غير المرضي.
التقرير يرسم بشكل عام، وبطريقة غير مباشرة، صورة سلبية لحالة بلد لم يهتدِ بعد إلى الطريق السليم لبناء دولة معاصرة، بلد لم يستطع بعد مرور ما يقرب من تسع سنوات على إسقاط نظام معاد للقيم الديمقراطية، أن يحقق على أرض الواقع سوى الضئيل مما تضمنه الدستور من مواد تتعلق بحقوق الإنسان وحرياته، والذي شرعته قوى المعارضة للنظام السابق نفسها، التي طالما نادت بشعارات الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان، على الرغم من أنها لم تضمّن ذلك في أجندتها الحزبية.
وتجدر الإشارة إلى أن ما ذهب إليه التقرير المشار إليه، قد أكدته منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الذي صدر مؤخراً، في الثاني والعشرين من يناير المنصرم، والذي ورد فيه ما نصه "إن العراق يعود إلى الاستبداد، وفي طريقه للتحول إلى دولة أمنية".
ويبدو من خلال متابعة الأحداث الكبيرة التي تجري في العراق وردود الأفعال لها، أن الحكومة العراقية ترى أن ما يصدر عن المنظمات الدولية، ومن ضمنها الأمم المتحدة، من توصيات في تقاريرها، لا يعدو أن يكون رأياً استشارياً تعتبر نفسها حرة في الأخذ به أو إهماله.
فقد سبق للمنظمة الدولية في تقارير سابقة، أن طالبت العراق بإنشاء المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان، لأهمية ذلك في تحسين وضع هذه الحقوق. فالرقابة على حقوق الإنسان تقوم بها عادة منظمات المجتمع المدني التي لا تخضع للقرارات الحكومية، كما هو الحال في العراق، مع وجود وزارة حقوق الإنسان.
إن العلاقة بين الحكومة العراقية والأمم المتحدة لا تخلو من إشكاليات كثيرة، لم تطفُ على السطح على المستوى الرسمي بعد، إلا أن بعضها تردد على ألسنة عدد من القياديين في التحالف الوطني الحاكم. فقد سبق للحكومة العراقية أن تجاهلت تماماً الجهود المكثفة التي بذلتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، وبعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق (اليونامي)، والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، للتوصل إلى حل سلمي لقضية معسكر أشرف وإعادة توطين سكانه، فاتخذت قرارها بإغلاقه مع بداية العام الحالي، ثم اضطرت لتأجيل ذلك لمدة ستة أشهر، بعد تعرضها لضغوط كبيرة من المنظمة الدولية.
والحقيقة أن مطالبة المواطن العراقي بحقوقه، تعتبر ضعيفة قياساً بما يمر به من سلب وانتهاك لهذه الحقوق. وإن كان لنا أن نوجه الاتهام إلى من هو مسؤول عن ذلك، لا يسعنا سوى القول بأنها النخب السياسية التي أخذت على عاتقها صياغة ثقافة الفرد بما يتلاءم مع استراتيجياتها منذ سقوط النظام السابق. ه
ذا إضافة إلى أن المواطن العراقي، ويشاركة في ذلك إلى حد كبير معظم مواطني المنطقة، أقل رغبة في الدفاع عن حقوقه من نظيره الغربي، بسبب ضعف الثقافة في هذا المجال، حيث اعتاد العراقي لأمد طويل، الخوف من الحكومة والحرص على تنفيذ واجباته إزاءها وتجنب أي احتكاك معها.
ففي ظل جميع الحكومات التي مرت بالعراق منذ تأسيس الدولة العراقية، كان الحديث عن الحقوق نوعاً من الترف الفكري، يخوض فيه بعض المثقفون في صالوناتهم العاجية، حين يتبادلون الأحاديث عن النظريات والأفكار التي غيرت المجتمعات الغربية ومنحتها قصب السبق، لتصبح ملاذاً للنخب المثقفة في بلدان الشرق الأوسط والشمال الإفريقي الهاربة من قمع حكوماتها.
لم تجعل مختلف القوى السياسية التي تحظى ببعض الدعم الجماهيري، من حقوق الإنسان مدخلاً في برامجها السياسية المطروحة، وبذلك تكون قد ارتكبت خطيئتين: أولاهما أنها أضرت ببرامجها السياسية التي اقتصرت على شعارات براقة، تتحدث عن الموقف الوطني والقومي والعقائدي وغير ذلك من الطروحات التي لا توفر أرضية ومناخاً حقيقياً يجتمع حوله الناس، فهي طروحات عامة تخلب لب الشباب، ولكنها لا تقدم أسلوباً واقعياً وعملياً لبناء المجتمع، خاصة في إحدى دول الشرق الأوسط التي يفتقر فيها المواطن إلى الكثير جداً مما يتمتع به من يعيش في الدول الغربية.
والخطيئة الثانية أنها قصرت في حق جمهورها، لتقاعسها في القيام بدور قيادي ريادي لرفع مستوى تفكيره عن طريق تثقيف هذا الجمهور، ليس بخطط التبعية لاستراتيجياتها والالتزام بشعاراتها، وإنما تثقيفه بحقوقه كإنسان، سواء وردت إشارة لهذه الحقوق في الدستور المعمول به أم لم ترد.