النائب مرزوق الغانم، الليبرالي الذي استطاع أن يحتفظ بكرسيه النيابي، وصف مجلس الأمة الحالي، الذي تشكل عقب انتخابات الخميس الفائت الثاني من الشهر الجاري، بالـ"متطرف" وتنبأ بأنه "سيحل ولن يعمر طويلاً"! (الوطن، 5/2). أما زميله النائب السلفي المخضرم خالد السلطان، فقد ذهب إلى أن "المشهد السياسي في الأيام المقبلة سيسطر صفحات غير مسبوقة في تاريخ الكويت السياسي، وستكون أحداثه مدروسة" (القبس، 5/2).
وشتان ما بين التصريحين، اللذين يعكسان نظرتين مختلفتين لنتائج الانتخابات التي جرت في الأسبوع الفائت. فالاتجاه الوطني ـ ومعه كثير من المراقبين للشأن الكويتي ـ يرون أن هذا المجلس لن يستمر طويلاً لأن بذور فنائه كامنة فيه، وأن باب الأمل والرجاء مفتوح على مصراعيه لعودة مجموعة من العناصر الوطنية التي لم يحالفها الحظ. أما الإسلاميون، أصحاب الحظوة، والذين زادت مقاعدهم، فإن هذه فرصتهم التاريخية للسيطرة على منبر البرلمان، بعد أن سيطروا على الشارع ومؤسسات المجتمع المدني، يساعدهم في ذلك جو التفاؤل الذي أطلقه الربيع العربي، والذي جاء لصالح الأحزاب الإسلامية في عموم الوطن العربي، وبالأخص في تونس ومصر.
وأجمع المراقبون على أن الانتخابات الأخيرة، كانت الأكثر شفافية وبعداً عن تأثير مراكز النفوذ الحكومية أو عن المال السياسي، أو حتى عن الانتخابات الفرعية القبلية التي لم تفلح في التأثير على النتيجة. ثم إنها قد جرت في جو هادئ، رغم ما أحاط الحملة الانتخابية التي سبقتها من أجواء عاصفة.
ومنها إحراق المقر الانتخابي للمرشح والنائب الحالي محمد الجويهل، ومهاجمة مقر قناة الوطن الفضائية التي كانت تجري مناظر بين النائب فيصل المسلم السلفي ونبيل الفضل المستقل، وذلك لمواقف الأخير من أبناء القبائل. وقد لقي هذان المرشحان تعاطفاً من جمهور واسع من الحضر، الأمر الذي أدى إلى نجاحهما، وبالنسبة لهما وللدكتور فيصل المسلم، والدكتور عبيد الوسمي، كانت الضارة لهم نافعة، كما يقول المثل العربي.
ومن علامات هذه الانتخابات البارزة، فشل أي من المرشحات الكويتيات في الوصول إلى الكرسي النيابي، بعكس ما حصل في انتخابات العام 2009، حيث فازت أربع منهن. ولا يمكن تفسير هذا الفشل بعامل واحد من قبيل ضعف الأداء مثلاً، حيث كان أداء أسيل العوضي ومعصومة المبارك جيداً، وقد حصلتا على مراكز مهمة، المركز الثالث عشر لأسيل، والحادي عشر لمعصومة، كل في دائرتها الانتخابية، وحظهما كبير في الفوز في الانتخابات المقبلة لو لم تستسلما إلى اليأس.
ولا بد من النظر في ذلك إلى الطريقة التي صوتت بها النساء الكويتيات، اللواتي يمثلن النسبة الأكبر من عدد الناخبين. وأغلب الظن أن هؤلاء قد خذلن بنات جنسهن، وصوتن بدلاً من ذلك إلى الرجال. وهذا النمط من التصويت، عام في كل أنحاء العالم. ومن الجدير ذكره أيضاً أن الإسلاميين المدعومين من غالبية النساء الناخبات، خلت قوائم الترشيح لديهم من اسم أي امرأة، وهو ما يعكس موقفهم الحقيقي من حقوق المرأة السياسية، الذي عبروا عنه حينما وقفوا ضدها في العام 2005 يوم صوت مجلس الأمة على ذلك.
ويمكن القول أيضاً، ونحن نتابع نتائج الانتخابات الأخيرة، إن الطرح الشعبوي يلاقى آذاناً صاغية من قطاعات واسعة، فالنائب مسلم البراك، وهو أكثر المعبرين عن هذا التيار، قد حصل على أعلى الأصوات (أكثر من ثلاثين ألفاً)، وفيصل المسلم الذي كان إلى أيام قليلة ممنوعاً من الترشح لوجود قضية ضده في المحكمة، قد أتى ترتيبه الأول في الدائرة الثالثة، وحقق زميله وليد الطبطبائي مركزاً متقدماً معه (الثالث).
إن تأثر الجمهور الواسع بهذا النوع من الطرح الشعبوي الحاد، لا شك أن له جذورا، وعلى الدولة كمؤسسة تهتم برخاء المواطن وباستقرار النظام، أن لا تنظر إلى ما يطرحه هؤلاء كدغدغة للعواطف فحسب، وإنما ثمة مطالب لا بد أن تلبى، وعلى رأسها محاربة الفساد والشفافية في النواحي المالية والمناقصات وغيرها، التي أضحت مادة لإسقاط "الحكومات" السابقة، وحديثا على ألسنة الجميع.
ولعل ما يجعل الطرح الشعبوي مقبولاً أيضاً، هو شعور "جميع" المواطنين (ونؤكد على الجميع) بأن الكويت تسير على "البركة"، وليست لها خطة لتواجه بها المستقبل. فصحيح أن الكويتيين يتمتعون برغد العيش وبمستوى اقتصادي مرتفع، إلا إن ذلك كله مرتبط بتدفق النفط وبالمدة التي ستكون الدولة قادرة فيها على إنتاجه. فهم لا يجدون في الأفق ما يقنعهم أن "الحكومات" المختلفة التي مرت في السنوات الأخيرة، لديها "رؤية" لمستقبل هذا البلد، تحاول تحقيقها، وتجند لها الأنصار والمؤيدين، في الشارع وتحت قبة البرلمان. وهذا القلق الداخلي لدى "الجميع"، هو ما يجعل للطرح الشعبي صدىً قوياً عند قطاعات واسعة، وبالذات لدى الشباب!
أخيراً، ترى هل سيعمر هذا المجلس إلى الحادي عشر من نوفمبر المقبل، ليحتفل أعضاؤه والشعب الكويتي بمرور نصف قرن على وضع الدستور؟ لا أحد عنده الإجابة!