يعتقد الرئيس الأميركي باراك أوباما، أن الحكومة تقوم بدور حيوي لإيجاد فرص عمل جيدة في الولايات المتحدة. ويقول كل من المترشحين الجمهوريين للرئاسة، ميت رومني ونيوت غينغريتش، إن الشركات الأميركية ستولد فرص عمل جيدة، في حال تم تخفيض الضرائب وتخفيف اللوائح.

والحقائق تؤيد اعتقاد الرئيس الأميركي، إذ إن الشركات الأميركية تتجه نحو العالمية بشكل متزايد، وحصتها في أميركا تقل شيئاً فشيئاً. ووفقا لوزارة التجارة الأميركية، فإن الشركات العالمية التي تتخذ من أميركا مقراً لها، أضافت 2,4 مليون عامل في الخارج، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

فيما خفضت قوتها العاملة الأميركية بواقع 2,9 مليون عامل. وتوظف شركة "أبل" 43 ألف شخص في الولايات المتحدة، ولكنها تتعاقد مع أكثر من 700 ألف عامل في الخارج. وهي تصنع أجهزة "آي فون" في الصين لانخفاض الأجور هناك، ولأن الشركة الصينية المتعاقدة معها، يمكنها حشد عمالها بسرعة من مساكن الشركة في أي ساعة من النهار أو الليل تقريباً.

وتوفر الشركات الأميركية أيضا فرص عمل جيدة في مجال التكنولوجيا المتقدمة في الخارج. ويحذر المجلس الوطني للعلوم، من أن الولايات المتحدة تتراجع بسرعة في مجال البحوث. والآن، تزيد حصة الصين من مؤسسات البحوث والتنمية العالمية، على حصتنا. وأحد أهم أسباب ذلك، وفقا لجهاز الأمن القومي الأميركي، أن الشركات الأميركية ضاعفت استثمارها تقريباً في مجال البحوث والتنمية في آسيا، على مدى العقد الماضي.

ويرجع ذلك إلى أن الصين تنفق بغزارة على مراكز الأبحاث عالمية المستوى، والمصممة لجذب الشركات الأميركية، إذ إنها تنتهج استراتيجية وطنية لابتكار تقنيات وفرص عمل للمستقبل، بمساعدة الشركات الأميركية. وهي تملك أكبر سوق استهلاكية في العالم، وهو ما تطمح كل شركة أميركية للوصول إليه.

وتسعد الشركات الأميركية بمجاراة الصين، لأن ذلك يعود عليها بالربح. وقال مسؤول تنفيذي في شركة "أبل" لصحيفة "نيويورك تايمز": "نحن لسنا ملزمين بحل مشكلات أميركا، والتزامنا الوحيد هو صنع أفضل المنتجات". وكان يمكنه أن يضيف قائلاً: "وجني أرباح كبيرة بما يكفي لارتفاع أسعار أسهمنا باستمرار".

إذا أمكن لـ"أبل" أو أي شركة أميركية كبرى أخرى، أن تصنع منتجاتها بأفضل صورة وأرخص الأسعار في الصين أو في أي مكان آخر، فإنها ستصنعها هناك. ولا يمكنكم لومها، فالشركات الأميركية تعمل من أجل تحقيق الربح ورفع قيمة أسهمها، لا لإيجاد وظائف أميركية جيدة.

ولكن، إليكم المشكلة السياسية. في حال لم تلاحظوا، فإن الشركات الأميركية لها نفوذ كبير في واشنطن. فهي تحافظ على جحافل من جماعات الضغط، وتنفق المبالغ الطائلة على الحملات السياسية، وبعد حكم المحكمة العليا في قضية اتحاد المواطنين ضد لجنة الانتخابات الفيدرالية، لم يعد هناك حد. ويمتد نفوذ هذه الشركات إلى البيت الأبيض في ظل إدارة أوباما، ويرأس مجلس الرئيس نفسه للعمل والتنافسية، جيفري إملت، وهو الرئيس التنفيذي لشركة "جنرال الكتريك"، ويعج بالرؤساء التنفيذيين لشركات أميركية أخرى.

وكغيرها من الشركات الأميركية، فإن عدد الوظائف التي توجدها "جنرال إلكتريك" خارج الولايات المتحدة، يفوق عددها في الداخل. وقبل عقد من الزمان، كانت نسبة العاملين غير الأميركيين في هذه الشركة تقل عن النصف، أما اليوم فهي تصل إلى 54%. وكغيرها من الشركات الأميركية، فإن "جنرال إلكتريك"، أيضا، تنقل المزيد من أبحاثها إلى الصين. وقد أعلنت مؤخرا توسعا بقيمة 500 مليون دولار في مرافق البحث والتطوير التابعة لها هناك، على رأس استثمار أولي بقيمة ملياري دولار.

وعلى نحو غير مستغرب، فقد دعا التقرير الأخير الصادر عن المجلس، إلى خفض الضرائب على الشركات وتقليل عدد اللوائح. ومن الممكن أن يكون التقرير، الذي أقره رئيس مجلس النواب الجمهوري جون بوينر، قد كتب من قبل أي مرشح جمهوري.

وقد سبق أن دعا المجلس إلى إلغاء قوانين مكافحة نهب الشركات، التي سنها الكونغرس في عام 2002 استجابة لشركة "إنرون"، بحجة أنها تعيق النمو والتوظيف.

ولن يسفر أي من خفض الضرائب على الشركات أو تقليص عدد اللوائح التنظيمية، عن إيجاد فرص عمل جيدة لأميركا. فهما قد يقللان من تكاليف الإنتاج، ولكن الشركات العالمية يمكنها دائما العثور على تكاليف أقل، في أي مكان آخر في العالم.

ولن توجد الشركات العالمية، أياً كان مقرها، فرص عمل جيدة للأميركيين، إلا في حال كان الأميركيون يتمتعون بقدر من الإنتاجية يكفي لجذبها. ومع ذلك، فإن شريحة كبيرة ومتزايدة من القوى العاملة الأميركية، غير مهيأة لأن تكون منتجة.

نحن مقيدون بالمدارس المتردية، والجامعات التي لا يمكن تحمل أقساطها، والبنية التحتية المتهالكة، والصحة المتدهورة (جنبا إلى جنب مع تكاليف الرعاية الصحية المتزايدة)، ومؤسسات البحوث والتطوير المتراجعة.. كل هذا يضعنا على مسار الانزلاق نحو وظائف أكثر تردياً وأجور أقل.

ومع ذلك فإن الشركات الأميركية الكبرى، لا تمارس أية ضغوط لإصلاح أي من ذلك. فهي تستطيع الحصول على ما تحتاج إليه على الصعيد العالمي، وهي مصممة لتحقيق أرباح، لا لإيجاد فرص عمل جيدة.

إذن، من الذي يمثل القوة العاملة الأميركية في واشنطن؟ من الذي يمارس الضغوط من أجل وضع استراتيجية وطنية تهدف إلى خلق فرص عمل أكثر وأفضل في أميركا؟ الجواب؛ هو لا أحد، إذ يمثل العمل المنظم ما يقل عن 7% من العاملين في القطاع الخاص، وكل ما يمكنه القيام به هو حماية عدد متضائل من فرص العمل النقابية.

وهذا الوضع يروق للجمهوريين، فهم يحاولون، منذ ثلاثة عقود، إقناع الموظفين الأميركيين العاديين بأن الحكومة هي عدوهم اللدود. ومع ذلك، فإن الشركات الأميركية ليست صديقتهم. ومن دون اتخاذ إجراءات حكومية جريئة نيابة عن القوى العاملة الأميركية، فإن فرص العمل الأميركية الجيدة ستستمر في التلاشي.