في الوقت الذي يحاول فيه المجتمع الدولي احتواء الصدامات الدموية في سوريا، تتجه أنظار جامعة الدول العربية إلى كل من روسيا والصين، في محاولة لتغيير مواقفهما الداعمة للنظام السوري. لكن الصين تنظر إلى الأزمة السورية من وجهة نظر شمولية، ذات صلة بالاقتصاد العالمي الذي يعاني أزمة خانقة تجتاح معظم دول العالم، ومشكلات الديون المترتبة على بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ومخاطر تحميل دول العالم، وفي طليعتها الدول النفطية العربية، نسبة كبيرة من الأزمة المالية العالمية.
في هذا الوقت بالذات، قام رئيس مجلس الدولة الصيني، ون جيا باو، بزيارات رسمية للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر، في الفترة من 14 - 19 يناير 2012. وهي أول زيارة من نوعها لزعيم صيني بارز، في ظروف مضطربة تشهد فيها منطقة الشرق الأوسط تبدلات عميقة على مختلف الصعد. فأعطت الزيارات دفعة دبلوماسية قوية لتطوير علاقات الصين مع الدول العربية الثلاث بشكل خاص، ودول الخليج العربية بشكل عام.
توافقت الصين والمملكة العربية السعودية على الارتقاء بمستوى العلاقات الاستراتيجية وتعميق التعاون بينهما في كافة المجالات، ووقع الطرفان سلسلة من اتفاقيات التعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والثقافية. وأظهرت الخطب المتبادلة بين قادة الصين ودول الخليج العربية، مدى الاهتمام البالغ الذي يوليه الطرفان، والرغبة المشتركة لتعميق التعاون بما يضمن المصالح الحيوية لكليهما، والارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أعلى لخدمة مصالح الطرفين.
لقد نجحت الصين في تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول العربية، وأظهرت إحصائيات رسمية صادرة عن الجانب الصيني، أن حجم التجارة بين الصين والدول العربية ارتفع من 36 مليار دولار أميركي في العام 2004، إلى 145 مليار دولار أميركي في العام 2010، وبنسبة زيادة بلغت 30% سنوياً. فأصبحت الدول العربية سابع أكبر شريك تجاري للصين، التي احتلت موقعاً متقدماً بين المراكز الثلاثة الأولى من حيث حجم التجارة الثنائية مع معظم الدول العربية. وبلغ حجم التجارة بين الصين والدول العربية، قرابة 200 مليار دولار أميركي في العام 2011.
تقيم المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، وقطر، والكويت، والسودان، شراكة تجارية واقتصادية ممتازة مع الصين. وتعتبر دول الخليج العربية أهم شركاء الصين في التجارة مع دول الشرق الأوسط، حيث وصل حجم التجارة بين الجانبين إلى قرابة 93 مليار دولار أميركي في العام 2010، وبنسبة قاربت 63% من حجم التبادل التجاري بين الصين والعالم العربي.
وبلغ حجم التجارة بين الصين والسعودية أكثر من 43 مليار دولار أميركي في العام 2010، بنسبة تجاوزت بمفردها 30% من حجم التبادل التجاري بين الصين والعالم العربي. وباتت المملكة العربية السعودية أكبر شريك تجاري للصين في منطقة الشرق الأوسط في السنوات المنصرمة. ومن المتوقع أن تصبح الصين ثالث أكبر شريك تجاري مع دول الخليج العربية، بعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بحلول العام 2015.
تؤكد الصين أن نمو علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع العالم العربي، يعود إلى سياستها الخارجية السليمة المبنية على تلبية احتياجات التنمية، والرغبة المشتركة في التعاون مع الدول الأخرى، دون النظر إلى الاختلاف في وجهات النظر السياسية لدى الجانبين.
لكن الصدامات الدموية التي اجتاحت بعض الدول العربية في العام 2011، تركت آثاراً سلبية على مستوى التبادل الاقتصادي والتجاري بين الصين وكثير من الدول العربية.
بدورها، تولي الدول العربية اهتماماً خاصاً بالتطور الاقتصادي والاجتماعي في الصين، بهدف الاستفادة منها بعد استقرار الأوضاع المضطربة. فعملت على توسيع التعاون معها في مجالات البنى التحتية، وتقنيات الزراعة، وتدريب الطاقات البشرية، وتطوير الطاقة المتجددة.
ولدى الصين معرفة علمية دقيقة بأوضاع العالم العربي، وهي تعمل على تحسين أداء مؤسساتها الحكومية، وتقديم المزيد من المساعدات للمؤسسات العربية، مع تجنب المخاطر والخسائر في التبادلات البينية. ومن المقرر أن تعقد الدورة الخامسة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي - الصيني، في تونس خلال عام 2012 الحالي، للاستمرار في تنمية العلاقات الصينية - العربية، رغم التبدلات المصيرية والاضطرابات التي تشهدها المنطقة العربية.
فالصين من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وتتبنى سياسة براغماتية مع جميع الدول العربية. وقد دعت الأمم المتحدة مراراً إلى إصلاح نظامها الداخلي وأوليات عمل مؤسساتها، لكي تكون قادرة على وقف سياسة العنف، والعمل على حل المشكلات القائمة بالطرق السلمية التي ترفع مكانتها كمنظمة دولية فاعلة. وهي تدرك جيداً أن عالم اليوم يشهد تغيرات عميقة ومعقدة، فقد دخلت الأزمة المالية العالمية عامها الرابع، وما زالت الولايات المتحدة ودول أوروبية عدة تعاني من أزمة ديون خطيرة، تجعلها عاجزة عن إنعاش اقتصادها.
لكن الولايات المتحدة تصر على اعتماد القوة العسكرية لحل النزاعات، وتحاول إسقاط بعض الأنظمة العربية بالقوة، على غرار ما حل بالنظام الليبي، وتتحمل مسؤولية مباشرة إلى جانب الأنظمة التسلطية العربية، في التسبب في مجازر دموية، وفي تعطيل دورة الإنتاج والتنمية البشرية والاقتصادية المستدامة. كما أنها خططت لنقل قسم كبير من قواتها التي كانت مرابطة في منطقة الشرق الأوسط، إلى منطقة الشرق الأقصى، في محاولة لإرباك الصين، وتخويف دول المنطقة من تزايد دورها الاقتصادي وقوتها العسكرية.
لقد تطورت علاقات الصين مع الدول العربية، خاصة الخليجية منها، بصورة مطردة خلال السنوات العشر الماضية، ونأت الصين بنفسها عن التدخل في شؤون أي دولة عربية، وحافظت على التعاون معها على خلفية تعزيز التبادل التجاري والاقتصادي والثقافي، دون النظر إلى طبيعة النظام السياسي والمشكلات الداخلية التي يعاني منها.
وعززت تعاونها مع بعض دول الخليج العربية بصورة غير مسبوقة في تاريخ العرب والصين، مما يساعد على تعزيز التنمية المستدامة لدى الجانبين. فالصين دولة مترامية الأطراف، يعيش فيها أكثر من مليار وثلاثمائة وأربعين مليون نسمة، وهي بحاجة ماسة إلى التنمية المستدامة، وضمان وصول الطاقة إلى مصانعها، وتقوم بإصلاحات جذرية في مختلف المجالات.
وهي لا تتدخل في شؤون أي من الدول العربية، وترفض إسقاط أنظمتها عبر التدخل الخارجي، وتشدد على ضرورة تطوير الأمم المتحدة، بصفتها المنظمة العالمية الوحيدة المؤهلة لحماية السلام العالمي، وبناء عولمة أكثر إنسانية، لكن قدرتها على تنفيذ هذا الدور رهن بتطوير أنظمتها ومؤسساتها، إلى جانب التخلص من تبعية قراراتها للتحالف الأميركي ـ الأوروبي.