لا شك أن تجربة دولة الإمارات هي تجربة رائدة في العالم العربي، وهي تجربة قلبت كل الموازين والمقاييس التي عرفها العرب. لقد نجحت الإمارات في تحويل حلم عربي إلى حقيقة، وكسرت تلك الصورة النمطية التي عرفها الآخر عن العرب.
فلفترة طويلة لم يكن الغرب يعرف عن العالم العربي إلا تلك الصورة النمطية المشوهة، وهي صورة البلدان الغنية ذات التاريخ العريق والأنظمة المستبدة والشعوب المكبوتة، وغياب روح التعايش السلمي بين الفئات والطوائف المختلفة.
هذه هي الصورة التي طغت على الذهنية الغربية. ورغم أن الصورة الحقيقة قد تكون مغايرة، إلا أن الواقع العربي ساهم إلى حد كبير في تشويه الحقائق. فحقيقة، كان عالمنا العربي يزخر بالعديد من المقومات، فهو يزخر بالطاقات البشرية الخلاقة كما يزخر بالثروات، ولكن تلك الطاقات ضاقت بظروف الحياة، فهاجرت إلى خارج بلدانها ليستفيد منها الغير، وتلك الثروات أهدرت بسبب الفساد والمحسوبية.
وعوضا عن ثقافة التسامح والتناغم والنمو، سادت في الكثير من البلدان العربية ثقافة قائمة على الصراع الطائفي والطبقي، حتى غدا الكثير من البلدان العربية أمثلة سيئة ونماذج لمجتمعات مهترئة طاردة. في وسط هذا الجو العربي الضبابي القاتم، ظهرت تجربة فتية مغايرة في العالم العربي، غيرت كثيرا من تلك الصورة النمطية للعرب.
حتى العرب أنفسهم, خاصة البلدان التي طالها الربيع العربي, باتت تنظر إلى تجربة الإمارات كمعلم ورائد في العديد من مجالات التنمية. فقد استطاعت هذه الدولة، ليس فقط إحراز السبق في مجالات تنموية عديدة، ولكن التحول إلى أنموذج جميل للتعايش السلمي بين الأجناس المختلفة، بل وتعلق بها قلب كل من سكنها. وطبيعي أن تلك المكانة التي أحرزتها الإمارات، بعض أسبابها اقتصادي وبعضها اجتماعي والآخر تاريخي.
ولا شك أن الثروة البترولية قد منحت الإمارات قدرة كبيرة على التحرك والإنفاق وتبني مشاريع تنموية عملاقة، ولا شك أيضا أن موقع الإمارات المتوسط في قلب العالم العربي، كان له دور مهم في بروز الإمارات الاقتصادي والتجاري.
لقد استفادت الإمارات من موقعها هذا استفادة كبيرة، الأمر الذي أعطاها ميزة جعلتها تتقدم على غيرها. ولكن هل هذه الأسباب كافية لبروز تجربة الإمارات وخلق مناخ سلمي لتعايش كافة الأعراق؟ الجواب بالطبع؛ لا. فهذه الأسباب ليست كافية لإعطاء الإمارت هذه المكانة.
فقد حفلت الإمارات بالعديد من المقومات الأخرى التي ميزت تجربتها، وجعلت منها مجتمعا مثاليا جاذبا للمهاجرين من كافة الأطياف، لدرجة أن الإمارات قد أصبحت وطنا ثانيا، بل أصبحت للبعص وطنا بديلا.
الشعور بالانتماء للإمارات لم يأتِ من فراغ، بل أتى من تراكمات اجتماعية واقتصادية ونفسية عديدة، حولت شعور الهجرة والغربة عند الكثير من المهاجرين، إلى شعور بالحب والألفة والرغبة في البقاء على هذه الأرض إلى الأبد.
ويمكن أن يكون هذا الشعور مزعجا للبعض من كلا الجانببن؛ المحلي والوافد. ففي الجانب المحلي من يرى أن إقامة البعض الطويلة ربما تكون سببا ومدخلا في النهاية للمطالبة بالرغبة في البقاء الدائم، وهذا قد يصطدم ليس فقط مع الرغبة في الحفاظ على خصوصية المجتمع وتركيبته الاجتماعية، بل ومع حماية مؤسساته الخدمية من الضغط الذي تسببه الهجرة الخارجية.
وفي حين تدور مخاوف الجانب المحلي حول حماية الخصوصية المحلية، تحوم هواجس الجانب الوافد, خاصة الجيل المخضرم، حول الولاء الحقيقي للوطن الأم. فقد تربت في الإمارات أجيال وافدة لا تربطها بوطنها الأم إلا روابط الجنسية، أما الروابط الروحية الأخرى فقد تلاشت أو خفتت على مر الزمان، نظرا للإقامة الطويلة أو لظروف ذلك الوطن السياسية أو الاقتصادية. فنشأت أجيال جديدة وافدة في الإمارات لا تعرف شيئا عن وطنها الأم، بل ولا ترغب في العودة إليه أصلا.
قضية أخرى مهمة جعلت من الإمارات أنموذجا يحتذى به في التناغم الاجتماعي، ألا وهي البيئة الاجتماعية. فبيئة الإمارات بيئة مسالمة، لا مكان فيها للفوارق الكبيرة بين الناس، وبيئة من السهل فيها تقليص المستويات الاجتماعية والاقتصادية.
ففي إمكان أي مهاجر مجدٍّ أن يحصل في الإمارات على فرص الترقي الوظيفي وبالتالي الاجتماعي. كما أن مدن الإمارات مدن جاذبة، لأن مستويات الحياة وأنماطها متاحة للجميع، لذا فإن إمكانية الحراك الاجتماعي فيها ليست صعبة كما هو الحال في بلدان أخرى.
ولهذا جذبت الإمارات أجناسا وأعراقا، وجدت في الإمارات المكان المثالي للإقامة الطويلة. ورغم أن نهضة الإمارات هي نهضة وطنية محلية، إلا أنها سرعان ما أصبحت ذات نكهة عالمية، حولتها إلى مكان جاذب لكل الأعراق والمعتقدات، وهذا الوضع أعطاها ميزة عالمية في قوانينها وتشريعاتها. فقد راعت قوانين وتشريعات الدولة إنسانية الإنسان.
وهو الأمر الذي جعل حياة الفرد فيها حياة سلسة وآمنة وبيئة مراعية لآدمية الإنسان وكرامته. فقوانيين الإمارات لا تحمل أي عنصرية ضد الآخر مهما كان الاختلاف، بل تشيع ثقافة السلام والتسامح. لقد تبنت مبادئ إنسانية رائعة، تؤمن بحق الإنسان في ممارسة إنسانيته في جو من التسامح والعدالة الاجتماعية..
فالدولة تضمن العدالة والمساواة لكل القاطنين على أرضها، وتضع رفاهية الإنسان في سلم أولوياتها. ومع أن التنمية التي شهدتها الإمارات قد استمدت أفكارها من العالم الحديث وتقنياته المتطورة، إلا أنها أضفت عليها الكثير من روحها الشرقية المتجددة، فأصبح كل شيء في الإمارات وكأنه صناعة محلية. لذا فلا غرو أن أصبح الكثير من الدول ينظر إلى الإمارات نظرتها إلى المعلم والرائد، في مجالات التنمية المختلفة. لقد أصبحت تجربة الإمارات تجربة تهم العرب جميعهم، بل قد لا نجافي الصواب إذا قلنا إنها تجربة تهم العالم بأسره.