تعرف الدولة بشكل عام، في أي مكان من العالم وفي أي زمان من الأزمنة الغابرة أو الحاضرة، بأنها صاحبة سلطة وقوة وسيطرة ونفوذ على مواطنيها والمقيمين فيها أو الزائرين والوافدين إليها، ولا يمكن لأي كان من هؤلاء أو أولئك أن يعتدي عليها أو يتطاول على شؤونها، لأنها تستطيع وبكل سهولة أن تقتص لحقها وتتقاضاه، إن لم يكن بالمعروف فبسلطان القضاء، .
وفي بعض الدول بالقوة، يعني "غصبا عن خشمه"، وهذا أمر طبيعي جرت فيه شرائع الدول وسيرها من الزمن القديم إلى الحديث ثم المعاصر. فقد قامت الشرائع والدساتير القديمة، وأعني في العصور القديمة، على معاقبة كل من سرق أو أتلف مالاً عاماً، بالإعدام حتى القتل، وذلك في قانون حمورابي في المواد 194-214، وقانون مانو في الهند القديمة سنة 1000 ق. م تقريباً.
وقانون داركون حاكم أثينا العام 621 ق. م، وقانون داريوس ملك الفرس، وقد زاد إمبراطور الصين (تشن. شه. خوانغ دي) في سنة 221 ق.م، بتمزيق جسد من يسرق أموال الدولة أو يخربها حتى الموت، لأنه يتهم بالخيانة العظمى.
وفي العصور الوسطى حيث غلبت شرعة وحكمة الإسلام الحنيف في ذلك الزمان، فرض حق الدولة وقُدم على جميع الحقوق الفردية الأخرى دون أن تطغى عليها، لأن فيها حفظا للصالح العام الذي هو حق الكل، والذي بمواجهته تنصهر مصلحة الفرد لأنه يدخل ويغوص في بوتقتها، وحق الجماعة مقدم على حق الفرد.
ومن أمثلة التعدي على الحق العام، ولو بحسن نية أو التبرير بالمقولة المشهورة "إن النبي قَبِلَ الهدية"، ما كان من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما رجع قال: هذا لكم، وهذا أهدي إليّ. فقام النبي صلى الله عليه وسلم: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إليّ؟
ألا جلس في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا! والذي نفس محمد بيده، لا نبعث أحداً منكم فيأخذ شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثغاء، ورفع يديه حتى رأيت إبطيه وقال: اللهم هل بلغت، ثلاثاً)).
والحكمة من ذلك تتجلى بوضوح في عدم أحقية كائن من كان، أن يمتن على الدولة بعمل أو على أي رب عمل بإنجازه لما كُلف به، لأن العقد شريعة المتعاقدين، فمن يقول هذا لكم وهذا لي، ويحلل لنفسه أن يأخذ من مال غيره، فهو حرام بإجماع العلماء شرعاً، وآراء الفقهاء قانوناً، وتوافق وتطابق الأحكام قضاء.
وعليه فإذا ما خالجت نفس الموظف الشكوك والأوهام وقال مخاطباً نفسه مستبيحاً ما يريد فعله: إنني عملت وبذلت مجهوداً كبيراً، ولا بد أن يكون لي من ذلك نصيب مفروض (عمولة ـ بونص ـ هدية.. غيرها)، فإنه في هذا المقام يكون قد فرض نفسه شريكاً وليس موظفاً، مهما كانت درجته ورتبته (موظف ـ مدير ـ وكيل ـ وزير ـ سفير ـ أمير... وغيرها)، وفي ذلك تعدٍ من الفرد على مصلحة الجميع، وهو ما أشرت إليه سلفاً.
فالمفهوم العام للموظف، أنه يعمل بمقابل معين لوقت معين، يحضر فيه إلى مكان عمله لإنجاز عمل وينصرف عنه بعد ما يشاء الله له فيه ليكمله غيره، ولا بد من أن يؤديه بإخلاص وتفانٍ يقدره ويرضى به صاحب العمل، وإن رأى أنه قد أحسن كان له أن يكافئه، وفي ذلك خير، وإن رأى عدم مكافأته فلا بأس في ذلك، لأنه قد أدى عمله المكلف به وتقاضى راتبه المشروط، فلا يحق له الاعتراض عليه ومد عينيه إلى ما متع الله به غيره.
نعم، ربما أخلّت بعض الإدارات بموازين المكافآت، بأن تمنح العامل أو الموظف مهما كانت درجته مكافأة (بونص) نظير كل عمل مميز يقوم به، وفي ذلك خطأ فادح، إذ يخرج نطاق عقد العمل عن مضمونه وفحواه وشروطه، مما يطمع الموظف أو العامل في رب عمله. وهنا مكمن الإشكال ومصيبة المصائب، فيستبيح الموظف المال العام شيئاً فشيئاً، ويبدأ يعمل ليتقاضى المقابل الفائض عن حقه، ويوماً بعد يوم تتسع عيناه، ويقول هل من مزيد؟!
وكلما أخذ المزيد نظر إلى ما في يد غيره، حتى تطال عيناه رزق صاحب المال، وفي حال الموظف العام، فإن عينيه تغازل مال الدولة وتطمع فيه نفسه التواقة للمكافآت العينية والنقدية. وفي مثل هذه الحالات إذا ما تقاعست الدولة أو إداراتها عن صرف ما عودت الموظف عليه، فإنه يبدأ في الإهمال والتقاعس، وتصدق بشأنه مقولة "مال عمك.. ما يهمك"، ويبدأ التصرف، أو في أحسن تقدير يهمل!
وحالة أخرى يستغل فيها الموظف منصبه ومركزه الوظيفي في إبرام العقود، ويستحل لنفسه الهدية الأولى (العمولة) التي يأخذها عن عمل تحتاجه الإدارة فعلاً، وبعد ذلك تراه يوجد الأسباب (يتلكك) كي يبرم عقوداً أخرى يتقاضى مقابلها "هديته"، وفي كلتا الحالتين تكون الطامة قائمة. لذلك، وهو مربط الفرس، وجدنا الكثير من التجاوزات من بعض الموظفين العموميين.
ومن واقع ما نقرأ أو نلمس على أرض الواقع، فإن كل هؤلاء الذين يقعون في شر أعمالهم، تراهم ساعة الدفاع عن أنفسهم، إن لم يكن في صلب دفاعهم أمام المحاكم ففي المجالس وبين الناس، يقولون ويرددون: لولا أعمالي والصفقات التي أبرمتها للدولة، لما وصلت الدولة إلى ما وصلت إليه!
ونجيبه نحن ونقول: لولا الله، ثم الدولة التي ولدت في مستشفياتها، وتعلمت في مدارسها، ودرست في جامعاتها، أو على حسابها في الخارج، وتوظيفها إياك، وإعطائك الفرصة رغم خبراتك المتواضعة، للتعلم على حسابها، وما تسببت فيه من خسارة لها في وقت من الأوقات، وتحملها إياك، لما كنت أنت.. أنت اليوم. فكان أقل معروف أن تحافظ وترعى المال العام، الذي تعاملت معه الشرائع القديمة على أن سارقه أو متلفه يعاقب بالإعدام.