الرئيس السوري بشار الأسد، هو الوحيد في العالم العربي الذي ورث الرئاسة عن أبيه في أطر نظام جمهوري، لم يجد القائمون على شأنه ضيراً في تجاوز ما نص عليه الدستور، فقاموا بإجراء تعديل جوهري في بنيته، يسمح لمن هو دون سن الأربعين بأن يتبوأ منصب رئاسة الدولة.

نظام الأسد الحالي امتداد لنظام أبيه، ومنهجه في الحكم تكريس للثوابت التي وضعها أبوه منذ استلم الحكم في سوريا عام 1970، بعد قيادته لما أسماه حركة تصحيحية للسيطرة على قيادة حزب البعث، الذي وصل إلى الحكم إثر انقلاب عسكري في الثامن من مارس عام 1963.

وأبرز هذه الثوابت هو انفراد حزب البعث بالحكم. هذه المقدمة لا بد من إيرادها قبل الدخول في صلب الموضوع الذي بات يؤرق الملايين في سوريا وفي بقية أنحاء العالم العربي، التي سئمت سماع الأخبار عن عشرات الضحايا الذين يسقطون صرعى كل يوم، وأتعبتها رؤية مناظر الخراب والدمار التي تنقلها وسائل الإعلام عن المدن السورية.

من الطبيعي أن تبرز عيوب كثيرة لنظام احتكر السلطة قرابة نصف قرن من الزمن، دون مراعاة جدية لما يجري في العالم من تغيرات جوهرية، طالت مختلف البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعقائدية. لذلك لم يكن هذا النظام استثناءً من تعرضه لرياح التغيير العاتية، التي جاء بها الربيع العربي الذي أطل على مدن سوريا منذ ما يزيد على عشرة شهور.

درعا المدينة القريبة من الحدود الأردنية، كانت المحطة الأولى التي انطلقت منها حركة الاحتجاجات المطالبة بالإصلاحات، لتنتشر لاحقاً إلى المدن الكبيرة وتصل مؤخراً إلى ضواحي العاصمة دمشق.

ردود فعل النظام، المسكون بالهاجس الأمني، كانت المواجهة بعنف وقسوة بالغين، مما أدى إلى تفاقم الاحتقانات وتطور هذه الحركات الاحتجاجية، التي بدأت سلمية، لتصبح أكبر وأخطر تهديد أمني يواجهه النظام منذ سيطرته على الحكم.

الدعوات والمبادرات من أجل التغيير التي قدمتها قوى المعارضة والجمعيات والمنظمات الحقوقية، داخل سوريا وخارجها، لم توفق في زعزعة النظام عن موقفه. كما فشلت في ذلك الضغوط الخارجية، من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

فالخطاب الرابع، منذ بدء الحركة الاحتجاجية، الذي ألقاه الرئيس السوري في العاشر من يناير المنصرم من مبنى جامعة دمشق، ليس فيه جديد، فهو تكرار لقراءته السابقة للوضع، وهي أن هناك مؤامرة تحاك ضد سوريا تشترك فيها بعض الدول العربية.

دخل الملف السوري في الآونة الأخيرة مرحلة خطرة جداً، فالقضية السورية في طريقها للتدويل، بعد أن قررت الجامعة العربية في الثاني والعشرين من يناير المنصرم، نقل قراراتها بشأن الوضع في سوريا إلى مجلس الأمن لاعتمادها بعد أن رفضها الجانب السوري، ثم أوقفت بعد ذلك في الثامن والعشرين من الشهر نفسه، مهام مراقبيها في المدن السورية، في قطيعة تامة مع النظام.

والآن وبعد مرور أكثر من عشرة شهور من مواجهات دموية مع الشارع المنتفض وسقوط الآلاف من القتلى، بدأ النظام السوري يصاب بالإنهاك، فقد خسر المعركة تقريباً على جميع المحاور، وتقلصت مساحات التعاطف معه إلى الصفر تقريباً على المستوى العربي، ولم يعد لديه حلفاء في الخارج غير من يعاني هو الآخر من أزمات خانقة وإشكالات كبيرة مع الأسرة الدولية، وضعته في موقع الدفاع عن النفس.

فعلى المستوى السياسي تبنى النظام السوري سياسات أوغلت في عزلته عربياً ودولياً، فالتحالف الاستراتيجي الذي أقامه مع بعض القوى الإقليمية التي لها أجندة مثيرة للجدل، لم يكن خياراً موفقاً لأنه أسهم في عزل سوريا عربياً من ناحية، وجعلها مصدراً للقلق والتوجس من قبل بعض دول جوارها الأقوياء من ناحية ثانية.

أما على المستوى الدبلوماسي، فقد فشلت أدواته في الاستمرار في تسويق سياساته العربية، التي تمسك بها تحت شعارات الصمود والتصدي. أما على المستوى الإعلامي، فمقابل القدرات المحدودة لوسائل إعلامه التي تعمل على تحسين صورته وتلميعها، هناك أضعاف هذه القدرات عربياً وعالمياً تعمل.

في الوقت نفسه، على تبشيع هذه الصورة وتوحيلها. أما على مستوى الداخل، فيشهد النظام متاعب اقتصادية تتفاقم مع الأيام جراء العقوبات المفروضة عليه، حيث تزداد معدلات التضخم ويتضاءل احتياطي العملات الأجنبية، ويتراجع سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأخرى، مع تزايد الإقبال على السوق السوداء.

من ناحية أخرى، لا تزال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تحت سيطرته، إلا أن ذلك قد لا يبقى كذلك، فهناك مؤشرات على أن معادلات التوازن الداخلي في طريقها إلى الاختلال، مع تزايد عدد العسكريين الذين ينتقلون من موقع الولاء له إلى موقع المواجهة معه، على الرغم من أن أعداد هؤلاء ورتبهم العسكرية لم تصل بعد إلى الحد الذي يجعل النظام يقر بالأمر الواقع.

روسيا والصين عملتا حتى الآن على حماية النظام من المزيد من التعبئة الدولية ضده في مجلس الأمن، ولكن ذلك قد لا يدوم طويلاً، فلهاتين الدولتين مصالح مع دول المنطقة الأخرى، ولديهما مصالح مع الولايات المتحدة ومع الاتحاد الأوروبي، وهما على أية حال ليستا في موقع استراتيجي يمكنهما من معادلة الضغوط التي يسلطها الغرب لتحييدهما.

وستجدان في نهاية المطاف أن مصلحتهما تكمن في التطلع نحو المستقبل، وليس في تكريس ثوابت الماضي. وقد بدأ الموقف الروسي يتخذ صيغة أكثر مرونة عن ذي قبل، خاصة ما يتعلق بموقفه من القرارات العربية المطروحة على مجلس الأمن.

فرض الربيع العربي هزيمة الحكام في الدول التي اندلع فيها، وكان آخر الراحلين، بأقل الخسائر، هو الرئيس اليمني، وفق صيغة أنضجتها دول مجلس التعاون الخليجي، وهي الصيغة نفسها التي وردت في قرارات الجامعة العربية وعرضت على الرئيس السوري الذي رفضها فوراً.

النظام السوري في نهاية المطاف، قد يكون مجبراً على الرحيل، ولكن ليس قبل أن تجري أنهار غزيرة من الدماء، وليس قبل أن يحيق الخراب التام باقتصاد سوريا، وليس قبل أن تنتهك السيادة السورية ويصاب المجتمع السوري بصدع قد لا تتمكن عشرات السنوات من رأبه.

ثمة أمر آخر جدير بالتمعن، فرحيل النظام السوري ستكون له تداعيات كبيرة على خارطة التحالفات في المنطقة، وسيكون له من التأثيرات على معادلات التوازن القائمة، ما لم يتحقق إثر رحيل أي من الأنظمة التي سبقته.