في ظل أجواء الربيع العربي، وما تحمله هذه الأجواء من حماس وتفاؤل وتوقعات، تجري في الكويت هذا الأسبوع انتخابات عامة لاختيار خمسين مرشحاً ومرشحة لعضوية مجلس الأمة.
وأجواء المخيمات الانتخابية هي أجواء شبابية بامتياز، حيث يوجد من هم دون الثلاثين بكثرة، ليعطوا زخماً للعملية الانتخابية وليخرجوها من روتينها المعتاد.
ولعل في ذلك فرصة للكويت، للخروج من حالة الجمود السياسي والاقتصادي التي تعيشها منذ فترة.
لم يعد شعار المحافظة على الدستور، ونعني به دستور الكويت لعام 1962 الذي وضعه المجلس التأسيسي، وهو مجلس تشكل أعضاؤه من انتخابات حرة، موضوعا للحملة الانتخابية الحالية، فهذا الأمر قد تجاوزه المجتمع الكويتي وطوى صفحته، إذ بات الكل مصراً على التمسك به، واختفت الأصوات التي تدعو إلى تعديله أو تنقيحه أو وقف بعض مواده.
وهي دعوات تكررت في الحياة النيابية الكويتية، وتجسدت في "لجنة النظر في تنقيح الدستور" التي أنشئت في عام 1980. وقد جاء قرار اللجنة بأن دستور الكويت لعام 1962، ليس بحاجة إلى تعديل أو تنقيح أو ما شابه.
إنما الشعار المطروح في هذه الانتخابات، والذي بات يتكرر من خيمة انتخابية إلى أخرى، ويخرج من هذا المرشح أو ذاك، هو محاربة الفساد والرشوة، والكشف عن الإيداعات المليونية التي ذهبت إلى حسابات بعض النواب في المجلس السابق.
وأخذت أسماء من يطلق عليهم "القبيضة"، تذاع وسط الجماهير المحتشدة في الكثير من المخيمات الانتخابية. بمعنى آخر؛ إن إجماعاً شعبياً قد خلق حول قضية المال العام ومحاربة المتلاعبين به، وتجريم بذل المال السياسي ومعاقبة الراشين والمرتشين، وغيرها من المسائل التي تدور في هذا الفلك.
وهذه بحق نقلة نوعية، فمن جملة الأمور التي أفسدت الحياة البرلمانية في الكويت، والتي أوصلت البلاد إلى حالة الجمود، هو استخدام المال السياسي، إما من خلال شراء أصوات الناخبين من قبل بعض المرشحين المدعومين من هذه الجهة أو تلك، أو بواسطة شراء ولاء بعض النواب لتمرير أو تعطيل هذا القانون أو ذاك.
ولعل دعوة المرشح علي الراشد، وكان وزير دولة في الحكومة السابقة، تأخذ أهمية في هذا المقام، وهي إقرار قانون "الذمة المالية"، وهو قانون حضاري سيضع حداً للتكسب الشخصي من التمثيل العام.
وهذا القانون موجود في جميع الدول الديمقراطية الراقية، وهو ليس ضد أولئك الذين يملكون ثروات لخوض غمار الانتخابات وتمثيل الشعب أو العمل بصفة عامة، بل مرام هذا القانون هو أن لا يكون التمثيل الشعبي وسيلة للإثراء الشخصي، بشكل مباشر كأخذ الرشى وغيرها، وبشكل غير مباشر كالتمتع بامتيازات مالية بسبب الوظيفة، وهي تمثيل الأمة، من قبيل الاستدانة من البنوك بضمانة المنصب، وليس بالضمانات المالية المعهودة.
وإذا كان حضور الشباب وطرح الذمة المالية من الزوايا المضيئة لهذه الانتخابات، فإن هذه الانتخابات قد خلت من طرح القضايا المعقدة التي تواجه الكويت، من قبيل تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد على سلعة النفط كمصدر أساسي لدخل الحكومة، وإيجاد فرص حقيقية للعمل للآلاف المؤلفة من الشباب الخريجين وغيرهم.
ويذكر في هذا المجال أن المنتسبين إلى المعاهد التطبيقية وجامعة الكويت، كانوا أكثر من 101 ألف في العام الدراسي الفائت، وهؤلاء لا بد من توظيفهم في أقل من أربع سنوات!
ويبقى وجه معتم آخر لم تكشفه هذه الحملة الانتخابية، وهو "استرضاء الناخب" و"مخاطبة صوته" و"التودد إليه"، على حساب مصلحة الوطن العامة! فالطرح الشعبوي المتمثل في زيادة الرواتب والبدلات والامتيازات، ومثلها الكثير، عن طريق الإنفاق العام، قد خلق مواطناً كويتياً متواكلاً من ناحية، وأثقل كاهل الدولة بمصاريف قد لا تكون قادرة على الوفاء بها بعد سنوات قليلة!
وهذا الاسترضاء قد وصل في بعض الأحيان إلى "التدليع"، حيث نرى مثلاً هذه الأيام، اعتراضات كثيرة من أولياء أمور طلبة الثانوية العامة على رسوب أبنائهم، وذلك لصعوبة الامتحانات، كما يدعي هؤلاء! أو اعتصامات عند قصر العدل، بسبب حكم قضائي (أولي) لم يعجب أحد طرفي الدعوى!
وفي حقيقة الأمر، لا أحد من المرشحين طرح القضايا الرئيسية التي تعاني منها الكويت وسبل الخروج منها، والتخلي ولو مؤقتاً عن اللغة الشعبوية ودغدغة مشاعر الناخبين بوعود تعتمد على الإنفاق العام، وليس على خلق فرص اقتصادية حقيقية تعيد للكويت مكانتها كميناء تجاري على رأس الخليج العربي، كما كانت في السابق!
وهنا تكمن الطامة الكبرى، ففرصة الانتخابات وزخمها الشعبي، كانا مناسبتين لنقاش وتداول المشكلات المستعصية على الحل، والتي من الأهمية بمكان بلورة رأي عام حولها، وخلق إجماع شعبي بخصوصها.
غير أننا لا نفقد الأمل، فما دام الشباب هم جمهور المخيمات الانتخابية، وما داموا هم من يحركها ويبعث الحماس فيها، فإن الأمل معقود عليهم لملاحقة أعضاء المجلس القادم ومحاسبتهم على مواقفهم، وخلق رقابة شعبية تقوّم أداءهم.