من المؤكد أن الإعلام في إطار تفاعله مع المنظومة الاجتماعية المحيطة به، لا بد أن يعكس هوية المجتمع الذي ينتمي إليه، مثله مثل شكل وطريقة الملبس التي تميز مجتمعًا عن آخر، والذي من خلاله نستطيع أن نحكم على طبيعة شعب من الشعوب، وهو في ذلك يمثل المخرجات أو المحصلة النهائية لعدد من الملامح الأساسية لهذا الشعب، بدءًا بالفنون بكافة أشكالها ومستوياتها، فأنت تستطيع، بلا كثير معاناة، أن تحكم على الحال التي عليها مجتمع ما، من خلال الكلمات التي تُغنَّى وما يسمعه الناس من شعر.
ولو أردت أن تعرف طبيعة القضايا التي تشغل مجتمعًا ما ـ حتى لو لم تكن لك دراية عميقة بشؤونه ـ فما عليك إلا أن تتفقد ما يعرض في دور السينما من أعمال، لتعرف أهم القضايا التي تشغل أبناءه ببساطة شديدة، دون أن تدخل في مناقشات فلسفية أو مناظرات كلامية مع أصحاب الياقات البيضاء من المنظرين والمثقفين. وكأن الإعلام هو المرآة الصادقة التي تعكس قضاياه، حتى الشائك منها. هذا من ناحية، وعلى الجانب الآخر فإن الإعلام بوسائله المتعددة، أصبح القرين الذي قد يزعجك بما لا تهوى أحيانا، ولكنك لا تستطيع الانفصال عنه أو العيش دونه.
وفي إطار فهمنا لهذه الصورة، ولأن ميدان المواجهة الإعلامية شديد الضراوة بين شركات عملاقة وكيانات كبرى تتجاوز حدود الدول، لتحمل رسالة إعلامية شديدة الإبهار بتقنية متقدمة لا ينفع معها الوقوف في موضع الدفاع الدائم أو سياسة رد الفعل الإعلامي، لذا فمن الأهمية بمكان الإمساك بزمام المبادرة الإعلامية، لكي نؤكد أننا أمة لها وجودها وأننا قادرون على الفهم والابتكار. وهذا يتطلب أن نستكمل عناصر نجاح الوجود الإعلامي في عصر الظاهرة الإعلامية الكونية، ولا نكتفي بالوجود في حدّ ذاته، بل بالوجود المتميز، ثم نتخطى مرحلة التميز الإعلامي لنبحث عن التأثير في ما حولنا وخارج حدودنا.
أقول هذا، بعد أن لاحت على خاطري مجموعة من الأسئلة في هذا السياق، أزعجتني كثيرا وأحبطتني قليلا وأنا أتابع ما يبث على محطاتنا الفضائية، وما يسطر على صفحات الجرائد والمجلات؛ وهو أن وسائل إعلامنا العربية باتت مشاعا لكل المواد الإعلامية من هنا وهناك، في كافة الفنون الصحفية والقوالب الفنية. ولا ضير في ذلك لو أن وسائل إعلامنا تقف على قدم المساواة مع غيرها، أو أن تقف ـ في أضعف الإيمان- موقف الند الذي يتعامل مع غيره أخذا وعطاء.. تأثرا وتأثيرا.. تساءلت: أكثر من نصف المادة الإخبارية التي تبثها قنواتنا، نستقيها من وكالات الأنباء العالمية، فما حال وكالاتنا الإعلامية كمصدر من مصادر الأخبار لغيرنا، سواء كانت محلية أو إقليمية، وينبئنا واقعها بأنها ضيف على الوكالات الأخرى؟
نفتح دور السينما وساعات البث ليل نهار، للفنون الدرامية لنعرض أصنافًا من السلوك والقيم من مختلف البيئات والمجتمعات، مما يخلق جيلا مضطربا بين هذا وذاك، فما هو حال الدراما العربية على الشاشات الأجنبية؟ حتى في الرياضة تستضيف قنواتنا الرياضية دوريات العالم، بدءا بأميركا اللاتينية وانتهاء ببلاد الواق الواق، فما هو حال رياضتنا على شاشاتهم؟ حتى أطفالنا تركناهم كالأيتام، تربيهم برامج صنعت لغيرهم، فما هو حال برامج أطفالنا في بيوت غيرنا؟ حتى في الترويج للسلع اكتفينا بتقديم نماذج غربية، على ما في هذا من خطورة كبيرة في جوانب شتى..
الحق أنني طرحت هذه الأسئلة، رغم أني أعرف أن الإجابة ليست في صالحنا، لكي نشخِّص الحالة بصراحة في مواجهة حالة لا ينفع معها غض الطرف أو إخفاء الوجه، دون السعي إلى المواجهة عبر امتلاك الأدوات الفاعلة.
أولها: القدرة على الانتقاء والغوص في المحلية ومراعاة الخصوصية؛ فالمحلية هي الباب الواسع للتميز، والخصوصية هي العنوان الأكبر لاحترام ذوق المشاهد وقيمه، بل هي نوع من الانتماء للوطن والحرص على مقدراته، وتأكيد أننا قادرون على صنع صيغة إعلامية بمكونات عربية، بعيدة عن النسخ والتقليد. فلقد استرعاني الكم الهائل من البرامج عالية الضجيج، المقدمة بلسان عربي وتحظى بمشاهدة كبيرة، والتي يمكن أن تسمى بالبرامج "متعددة الجنسيات" أو "متعدية الجنسيات"، بداية من "لعبة الحياة" أو "لحظة الحقيقة"، وليس انتهاء بـ"عرب أيدل" و"إكس فاكتور".
ثانيها: الدفع بالعناصر الشابة المؤهلة وإعطاؤها الفرصة للمساهمة في رسم المشهد الإعلامي، بخيال واسع، وأفكار غضة، ودافعية قادرة على إعادة تكوين الصورة وطرح قضايا من صميم اهتمامهم برؤية وطنية، دون تركهم نهبًا لعوامل التضليل الفكري وخداع الصورة، التي جعلت قطاعًا عريضًا منهم ينتظر دائما الحلول التي تأتي من بلاد ما وراء البحار، في الوقت الذي لا بد فيه من فتح آفاق التعاون بين الأكاديميين والممارسين، وتجسير العلاقة بين الجامعات باعتبارها بيوتًا للخبرة وبين أهل الميدان، هذا التزاوج لا شك سيمثل قوة نوعية لرصانة المضمون المقدم، بعيدا عن القوالب الجاهزة في البرامج، والقوائم الجاهزة في الضيوف.
ثالثها: ألا تهمل وسائل الإعلام العربية في خضّم اللهث وراء جذب المشاهدين، الدور التنموي والجانب التثقيفي في أمة ما زال 20% من سكانها أميين، فضلا عن عقبات في طريق التنمية ما زالت قائمة تنتظر من يمد اليد لاقتلاعها من جذورها، والإعلام أول وأهم تلك الدوافع الكبرى. ويأتي بعد ذلك الدور الترفيهي دون إغراق، والاهتمام في الوقت نفسه بالرسالة الثقافية، في زمن باتت القراءة فيه بشكلها التقليدي لدى قطاع ليس قليلا، هي عادات من زمان فات، على أن تلامس هذه المواد الثقافية حاجات الناس، دون استعلاء أو غموض ودون الذهاب بهم بعيدا في قضايا جدلية ومسائل فلسفية، والاستعانة بالكفاءات المتخصصة والموهوبة في وقت معا، فأيهما لا يغني عن الآخر.
سنظل ننادي بأن يضطلع إعلامنا بدوره في تنوير العقول وتبصير الأعين، وشحذ الهمم ورفع سقف الطموح، وإلقاء الضوء على جوانب الخلل وتقديم النموذج والقدوة.. إعلام يجعل مصلحة الوطن فوق كل مصلحة، ومن هموم المواطن الهم الأول.. إعلام ينبه ولا يغيب، يرفه ولا يهدم قيمًا، يبتكر ولا يقلّد، يغوص للبحث عن الحقيقة، دون السعي للإثارة والخبطات على حساب المهنية والمصداقية.. عندئذ سيكون قد أدرك طريقه وأدرك غاياته.