لم يكن يبدو على الشرطة المنتشرين حول "غراوند زيرو" الذين كنت أمر بهم، في طريقي من وإلى الفندق الذي كنت أقيم فيه في "نيويورك" يومياً، أنهم قد تلقوا تدريباً يتضمن مشاهدة فيلم يصور المسلمين على أنهم إرهابيون يحاولون التسلل إلى الولايات المتحدة والسيطرة عليها، كجزء من التدرب على كيفية التعامل مع الجالية المسلمة هناك.
كما جاء في التقرير الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأسبوع الماضي. فقد كانوا في منتهى اللطف وهم ينظمون المرور في تلك المنطقة الحساسة، التي تقع على بعد أمتار قليلة من شارع المال والبورصة الشهير "وول ستريت" في جزيرة "مانهاتن".
فيلم "الجهاد الثالث" الذي تم استخدام المسلمين فيه كنموذج لتدريب عناصر من شرطة "نيويورك" على مكافحة الإرهابيين، أثار انتقادات حقوقيين ومسلمين أعضاء في مجلس المدينة، اعتبروه تعدياً على الحقوق المدنية للمسلمين عبر التخويف بهم. هذا الفيلم يحتوي على صور لمن وصفوا بإسلاميين إرهابيين يطلقون الرصاص على رؤوس مواطنين مسيحيين.
كما يحتوي على صور سيارات مفخخة تنفجر، وجثث أطفال مغطاة بالأوراق بعد إعدامهم، وصورة مركبة تظهر علماً إسلامياً يرفرف فوق البيت الأبيض، الأمر الذي جعل المسلمين الأميركيين يطالبون بإقالة قائد شرطة نيويورك الذي اعترف بمشاركته في إعداد الفيلم، بعد أن كان قد نفى ذلك، كما طالبوا بإقالة نائبه.
قبل ثلاث سنوات تقريباً، قامت محطة (ABC) الإخبارية الأميركية بإجراء تجربة لمعرفة ردود فعل الأميركيين إزاء التعامل بعنصرية مع المسلمين في المجتمع الأميركي، مستخدمة في ذلك فتاة سمراء قامت بتمثيل دور امرأة محجبة تتسوق في أحد المخابز، حيث يقوم عامل في المخبز، بالاتفاق مع الفريق الذي أعد التقرير كما يبدو، برفض التعامل معها وطردها واصفاً إياها بالإرهاب، وقامت الكاميرا برصد ردود أفعال الزبائن الذين يترددون على المخبز.
في نهاية اليوم، كما جاء في التقرير التلفزيوني، كان هناك 13 شخصاً وقفوا إلى جانب المرأة، وتعاطفوا معها، ودافعوا عن حقها في تلقي الخدمة، بل دخل بعضهم في مواجهة مع العامل منكرين عليه موقفه، وخرج بعضهم من المخبز احتجاجاً على تصرفه، ووصفت شابتان أميركيتان شقراوان العامل بأنه "مهين ومقرف ومريض"، وطلبتا التحدث مع مديره. وعلى الجانب الآخر وقف 6 زبائن مع الموظف وأيدوا تصرفه، لكن الغالبية التي بلغ عددها 22 زبوناً وقفت على الحياد، فلم تقل ولم تفعل شيئاً.
"جاك ديفيديو" المحلل النفسي في جامعة "ييل" الذي استضافه التقرير لتفسير ما حدث، برر ما فعله أحد الزبائن الذين أيدوا تصرف عامل المخبز، بأنه يشعر بالتهديد. لكن المحلل النفسي تأثر بمواقف الذين تصدوا للعامل مدافعين عن المرأة، وقال: إنهم بطريقة ما دافعوا عن أميركا. وأضاف: أنا متأثر جداً بذلك، لأنهم يريدون من هذا أن يكونوا مجتمعاً فقط، مكاناً فقط، مخبزاً فقط.
وإذا كان جزء من التقرير قد قام على اختلاق موقف تمثيلي لمعرفة ردود أفعال الناس إزاءه، فإن جزءاً آخر منه كان حقيقياً، حيث قدم شابة أميركية مسلمة محجبة تدعى "نهاية جادين"، ساعدت المحطة في تصميم اختبارها. "نهاية" قالت إنه على الرغم من أنها مولودة في "شيكاغو".
فقد تم الحكم عليها من قبل الأميركان بأنها عدوة، وعانت خلال التحاقها بجامعة "تكساس" من مضايقات عدة، فقط لأنها مسلمة، فهم يفترضون أنها ليست من هنا، وإذا قالت لهم إنها أميركية يردون: "لا، لست كذلك، فكونك مولودة هنا لا يعني أنك أميركية". وتتساءل: "إذن، ما الذي يجعلني أميركية؟"، لكنها تصر على أن تخوض هذه المعركة.
أحد الذين وقفوا إلى جانب فتاة المخبز، اتهمه العامل بأنه ليس أميركياً صالحاً، فرد عليه الرجل قائلاً إنه أميركي صالح، وإن ابنه قد عاد للتو من الخدمة العسكرية لمدة سنة في العراق، وإن هذا ليس له أي دخل بحقوق المرأة، ووجه حديثه للعامل قائلًا: لا أستطيع تصديق كيف يمكن أن تكون عنصرياً إلى هذه الدرجة! أشعر أنني أتعرض لإساءة بالغة الآن. وأضاف: أنا أتوقف هنا كلما مررت بالمكان، لكنني لن أتوقف فيه مرة أخرى.
يسأل مذيع التقرير المحلل النفسي: لماذا يشعر الناس بالانزعاج؟ فيجيبه: لقد رأوا الظلم، إنها العدالة التي تجمعنا معاً، إنها العدالة التي تجعل منا مجتمعاً، أي تهديد لهذا النوع من العدالة يدمر النظام كله. في ختام التقرير، تشكر "نهاية" الرجل المسن الذي دافع عن فتاة المخبز بحماس، وتقول له إنها تتمنى أن يفعل المزيد من الناس ما فعل، لأن هذا سيجعل حياتها أسهل كثيراً.
"غراوند زيرو" مصطلح يطلق على منطقة التأثير المباشر للانفجار، وقد أطلقته وسائل الإعلام الأميركية على تلك المنطقة التي تهاوى فيها برجا التجارة العالميين، إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأقيم مكانهما نصب تذكاري لضحايا تلك الهجمات، أصبح يؤمه مئات الزوار كل يوم، وتحرسه ثلة من شرطة نيويورك التي يقول تقرير صحيفة "نيويورك تايمز" إنها قد استخدمت فيلم "الجهاد الثالث" في تدريباتها اللوجستية.
"غراوند زيرو" مصطلح يمكن أن يطلق، في رأيي، على عقول بعض الأميركيين الذين شاهدناهم في تقرير (ABC) التلفزيوني، تماماً كما يمكن أن نطلقه على عقول بعض المسلمين الذين شاهدناهم في فيلم "الجهاد الثالث" يبثون أفكاراً تُحوِّل عقول من يقتنع بها إلى حطام أسوأ من حطام برجي التجارة العالميين، وتعيدها إلى نقطة الصفر.