قرر وزراء الخارجية العرب يوم الأحد الماضي، حزمة من القرارات لمعالجة الأزمة السورية، أهمها أن يعقد حوار بين السلطة السورية والمعارضة خلال أسبوعين، بهدف تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم مختلف الأطراف، تقوم بالإعداد لانتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف عربي ودولي، وتهيئة الشروط والظروف والقوانين المناسبة لانتخاب هيئة تأسيسية تضع دستوراً جديداً لسوريا، وإجراء التحقيق في الانتهاكات التي تعرض لها المواطنون، وذلك أملاً "بذهاب النظام السوري سلمياً"، كما صرح وزير خارجية قطر.

وقد اتخذ الوزراء هذه القرارات بالإجماع، (باستثناء اعتراض الجزائر على مادة واحدة متعلقة بالتواصل مع مجلس الأمن الدولي وطلب دعمه، إضافة لنأي لبنان بنفسه عن المشاركة لظروفه الخاصة).

تشير هذه القرارات إلى أن مجلس وزراء الخارجية العرب لم يعد يعترف بالنظام السوري، ويعمل على ذهاب هذا النظام. فلم تترك قراراته أي مجال للاجتهاد أو التأويل في هذا المجال، وقد سد الطريق أمام أية محاولة للالتفاف على قراراته، أو إفراغها من محتواها. وباختصار قطع مجلس الوزراء العرب علاقته كلياً بالنظام السوري القائم، ورسم طريقاً لتغيير هذا النظام بنظام آخر "ديمقراطي تعددي يتساوى فيه المواطنون، ويتم تداول السلطة فيه بشكل سلمي" حسبما جاء في قرارات المجلس.

لقد اتخذت قرارات الجامعة أساساً سياسياً واضحاً لمعالجة الأزمة السورية، وهو تبني "التسوية السياسية التاريخية"، من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية، يشارك فيها أهل النظام الحالي، وشخصيات من تيارات المعارضة، تعطى صلاحيات واسعة. وقد أبعدت الرئيس من جهة وغلاة الحراك في الشارع من جهة أخرى عن المرحلة الانتقالية.

واستبعدت سياسة "كسر العظم" بين السلطة ومعارضيها، ولم تراهن على إسقاط النظام فوراً وتوريثه، بل أشركته في حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية، وقطعت الطريق على المتطرفين، أعني على المغالين من سياسيي النظام وضباط الجيش وأجهزة الأمن، الذين كانوا يصرون على أن الحل الأمني بكل ما فيه من قسوة وبطش وعنف، هو الحل الوحيد، كما قطعته على المتطرفين من المعارضة الذين كانوا يرون أن التدويل والتدخل العسكري الأجنبي، كفيلان بالإسقاط الفوري للنظام.

وقد أكدت المبادرة العربية أن الحل العربي ليس ممكناً فقط، بل هو حل فعال وقادر على إيصال سوريا إلى شاطئ السلامة، وقد تكون هذه المبادرة، في ضوء ذلك، تشكل سابقة لمعالجة قضايا عربية أخرى في المستقبل، من خلال الجامعة العربية.

ومع أن وزراء الخارجية العرب لم يقرروا الطلب من مجلس الأمن الدولي التدخل المباشر لحل الأزمة السورية، واقتصر طلبهم على إبلاغ المجلس بقراراتهم والحصول على دعمه، إلا أن هذا وضع أساساً وهيأ أرضية، يمكن لمجلس الأمن من خلالها أن يتدخل في المستقبل، ويستخدمها مظلة في حال فشلت الجامعة العربية في تنفيذ مبادرتها، وسيكون أسهل على مجلس الأمن (وربما على بعض دوله)، التدخل المباشر بذريعة تنفيذ هذه القرارات.

من المفترض أن وزراء الخارجية العرب، تواصلوا، قبل اتخاذ قراراتهم، مع دول أخرى، أو تكتلات دولية، وناقشوا معها توجهات الجامعة الجديدة وآفاق مبادرتها وقراراتها، وبالتالي أخذ موافقة هذه الأطراف، لئلا تكون مقررات الوزراء العرب بعيدة عن الواقعية. وربما يؤكد وجود مثل هذا التشاور، الترحيب الذي لاقته القرارات بعد إعلانها، من الولايات المتحدة ومن الدول الأوروبية، والقبول الواضح من روسيا والصين وتركيا وبعض الدول الإسلامية والآسيوية والإفريقية، وغيرها.

لقد رفض النظام السياسي السوري قرارات وزراء الخارجية العرب فور صدورها، واعتبرها تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية السورية، ومساً بسيادة سوريا. ولا شك أن هذا الموقف سيزيد الأمور تعقيداً، خاصة وأن السلطة السورية لم تطرح بدائل عن هذه المبادرة. وتشير كل الإجراءات والسياسات التي تمارسها السلطة، إلى أنها لن تغير أساليبها القائمة لحل الأزمة منذ بدئها.

وربما لجأت إلى استكمال إجراءاتها التي أعلنت عنها سابقاً، وهي إقرار مشروع الدستور وإنهاء صياغته وعرضه على الاستفتاء الشعبي، وتشكيل حكومة تضم بعض الشخصيات المعارضة، وغيرها من الإجراءات التي لا تقبل بها المعارضة، ولا الحراك الشعبي، ولا مجلس الوزراء العرب.

لقد أدت المبادرة العربية إلى إضعاف النظام ووضعه على طريق الذهاب والرحيل من جهة، وإلى إعطاء نسغ حياة جديدة للحراك الشعبي الذي بانت عليه بوادر التعب في الأسابيع الأخيرة، لما واجهه من عنف واعتقال وملاحقة وحصار في الأحياء والقرى، ونقص الغذاء والدواء والطاقة وغيرها من جهة أخرى.

وكذلك أدت إلى تقريب وجهات نظر تيارات المعارضة السورية، التي كانت لا تمتلك خارطة طريق موحدة لحل الأزمة، وكان كل منها ينادي بحل هو في النهاية حل جزئي. ولعل مبادرة الجامعة وضعت خارطة طريق واضحة، وافقت عليها شرائح المعارضة السورية، ووجدت فيها خشبة الخلاص التي توحدها وتنقذها من مزايدة أو تطرف أو قصر نظر بعض أطرافها.

وربما تشكل هذه المبادرة، رغم قسوتها، خشبة خلاص لأهل النظام أيضاً، تتيح لهم الانسحاب السلمي والآمن البعيد عن العنف، أو عن التصعيد العسكري أو التحارب. ويرتكب أهل النظام خطأ كبيراً إن استمروا في رفضها، لأن ذلك سينقل الأزمة إلى حلول قاسية على النظام وعلى الشعب السوري عامة.

لكن لا أحد يبدي تفاؤلاً، قياساً على موقف النظام من المبادرات التي طرحت منذ بدء الانتفاضة، حيث كان يرفضها واحدة بعد أخرى، ثم يأسف على هذا الرفض بعد فترة، حتى أنه أصبح مشهوراً بإضاعة الفرص.