"القوة" أحد أبرز المصطلحات في علم الفيزياء، وهي تعني، في أبسط تعريفاتها، المقدرة على التأثير في الحالة الحركية للجسم. في سياق آخر؛ "القوة" هي المسؤولة عن بنية التراكيب المادية، على مستوى الصغير جداً وعلى مستوى الكبير جداً كذلك، بنية النواة الذرية من جهة، وبنية الكون من جهة أخرى.
ولكن مصطلح "القوة" هذا يتخذ معاني أخرى في سياقات أخرى، عسكرية وسياسية وفكرية واجتماعية، فهو أحد أبرز المصطلحات في معاجم العلوم السياسية. النفوذ بشتى أشكاله: السياسي والعسكري والدبلوماسي والاقتصادي والاجتماعي، تعبير عن القدرة على التأثير في معادلات التوازن بين طرفين، طرف قوي وآخر أقل قوة.
في مجال العلوم السياسية توضع القوة في ثلاثة أصناف: قوة غاشمة، وقوة ناعمة، وقوة ذكية. الأولى تعمل على فرض التأثير والنفوذ بالقبضة الحديدية، في حين تفرضه الثانية بقبضة عادية ذات قفاز حريري تمسك بحزمة مطالب وحزمة مساعدات في الأروقة الدبلوماسية، حيث يصبح الطريق سالكاً لعقد الصفقات والمقايضات. أما الثالثة فهي التي تجمع خصائص الأولى والثانية ولا تفصل بينهما، قبضة فولاذية داخل قفاز حريري.
إلا أن هناك قوة أخرى غير منظورة تلعب دوراً كبيراً، بشكل غير مباشر، في تكريس الولاءات السياسية وفي إدامة أنظمة حكم واهية، وهي قوة لا يسلطها طرف قوي على آخر أقل قوة، وإنما يسلطها الفرد على نفسه طواعية وبشكل غير واعٍ، وهذه القوة هي "قوة الاعتياد".
أبرز مظاهر هذه القوة هو الخمول والخدر والاستكانة، والمشاركة في إدامة تكرارية الحياة اليومية وإدامة إيقاعاتها. تتجلى هذه القوة، في النظام الذي يكمن وراء السلوك الآلي للإنسان الذي دأب على التمسك به وتكراره كل يوم على مدى أمد طويل. فلدى الغالبية العظمى من الناس.
في كل مكان من العالم، عادات مختلفة تتحكم في سلوكهم في حياتهم اليومية. الصحوة في ساعة معينة صباحاً وتناول الفطور والذهاب إلى مكان العمل، من خلال طريق يتكرر يومياً، ثم العودة إلى البيت ومتابعة نشرة الأخبار ومشاهدة برنامج تلفزيوني معين وقراءة صحيفة معينة يجد فيها تصريحات مسؤولين ألف وجودهم، وغير ذلك الكثير مما يدخل تحت باب التكرارات التي يحرص الإنسان على التقيد بها.
العادة فعل يقوم به الفرد مرات ومرات، دون أن يفكر بشكل واع في مدى تأثيراته في مستقبله ومستقبل مجتمعه. ويمكن القول ان "قوة الاعتياد" واحدة من أكثر القوى أهمية في التحكم في الإنسان، فهي قوة ناعمة تنشأ بشكل بريء جداً، وتبدأ بتكبيل الإنسان بطريقة لا تشعره بثقلها ولا تدفعه للتحرر منها. وهي قوة لا تتأتى بفعل إفرازات الغريزة، بل تصنعها الأجواء السائدة في الوسط العائلي أولاً، ثم في الوسط المجتمعي ثانياً، وتستمد بعض خصائصها من إرث العادات والتقاليد والقيم.
فحين نقوم بعمل ما للمرة الأولى، نقف مترددين لبعض الوقت نحتكم، لا إرادياً، إلى منظومة المعتقدات والتقاليد والقيم التي نحملها في دخائلنا، للتأكد من أن هذا العمل لا يتعارض مع جوهرها. إلا أنه كلما أعدنا هذا العمل يصبح جزءاً يتكامل مع شخصنا، ولم نعد بحاجة للعودة إلى منظومة قيمنا ومعتقداتنا، فيصبح عملنا أداءً بفعل قوة الاعتياد. وعند ذاك نعفي أنفسنا من مسؤولية السيطرة على سلوكياتنا، ولم نعد نتساءل إن كان هذا العمل جيداً أم لا.
وهذا في الحقيقة تخريب كبير لمنظومة التجديد الكامنة في دخائلنا، فالاعتياد دخول طوعي في عبودية روتين يضفي جفافاً على الحياة، ويشل نوازع التجديد والتطور. وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن 95% مما نقوم به من أعمال، سبق أن قمنا بأدائه، فهي تدخل في باب سيطرة قوة الاعتياد.
تزداد المساحة التي تشغلها العادات لدى الإنسان على حساب مساحة الحرية والاستقلالية المتاحة له، وفي هذا السياق يقول الأديب الفرنسي "رينيه سولي بردوم"، أول من حصل على جائزة نوبل في الآداب "إن جميع الذين تستولي عليهم "قوة الاعتياد"، يصبحون بوجوههم بشراً وبحركاتهم آلات". أما الفيلسوف الألماني "كانط" فله مدخل آخر.
حيث يقول "كلما زادت العادات عند الإنسان، أصبح أقل حرية واستقلالية". في حين يعبر المفكر والمصلح الاجتماعي الفرنسي الكبير "جان جاك روسو" عن رأيه في هذه القوة، من خلال نصيحة مفادها "خير عادة يتعودها الإنسان أن لا يعتاد شيئاً".
إلا أن بعض العادات التي نلتزم التقيد بها، تعتبر سلوكيات إيجابية بكل تأكيد. فعلى سبيل المثال؛ يعتبر الالتزام بحدود السرعة المسموح بها في قيادة السيارة داخل المدن أو خارجها، والقيام ببعض التمارين الرياضية يومياً، هي من العادات التي تسمح بتوفير مستلزمات جيدة آمنة للحياة على مستوى الفرد والمجتمع.
وعلى النقيض من ذلك، تؤثر العادات السيئة سلباً في شخصية الفرد وبالتالي في المجتمع، فالمحافظة على الولاء لبعض الموروثات القديمة من الأساطير والخرافات، مع وضوح براهين على بطلانها، يقف حائلاً أمام التحرر من الأفكار البالية، ويضعف القدرة على التواصل مع الجديد.
النمط الدماغي الذي يتحكم في تكوين العادات وسيطرتها على الإنسان غير واضح تماماً، إلا أن دراسة حديثة أجريت في مركز مكغوفرن التابع لمعهد ماساتشوستس للعلوم والتكنولوجيا في الولايات المتحدة، قد أبانت أن تكوين العادات يرجع لوجود "استعداد فطري سليقي يُصقل بالتجربة"، خاصة ان أحد مصادر سعادة معظم الناس، هو الانتماء إلى المجتمع والولاء لولاءاته وعاداته.
وتعتبر "قوة الاعتياد" عامل استقرار وثبات على المستويين الفردي والجمعي، وهي قوة تصنع الخوف من الخروج على ما هو مألوف، وهي تخدم من هذا المنطلق السلطات القائمة والنظام السائد والأعراف والتقاليد المعمول بها. وعندما يتحرر الناس من أغلال هذه القوة، تختل منظومات الاستقرار وتتداعى ثوابتها، وهذا ما حدث في دول الربيع العربي.